الله ذاته، الفريد (ز)

لمحة عن سلطان الله وشخصيته البارة وقداسته

بعد أن تنتهوا من صلواتكم، هل تشعر قلوبكم بالطمأنينة في حضرة الله؟ (نعم). فإذا ما اطمأن قلب المرء، استطاع أن يسمع ويفهم كلمة الله، وتمكَّن من سماع الحق وفهمه. أما إذا كان قلبك غير قادر على الشعور بالطمأنينة، وكان دومًا هائمًا على غير هدي، أو شغلتْ تفكيرك دائمًا أمور أخرى، فسوف يؤثر ذلك عليك عندما تحضر الاجتماعات لتسمع كلمة الله. ما صُلب الموضوعات التي كنا نناقشها؟ لنعد بتفكيرنا قليلًا إلى النقط الرئيسية. فيما يتعلق بمعرفة الله ذاته، الفريد، في الجزء الأول، ناقشنا سلطان الله. وفي الجزء الثاني ناقشنا شخصية الله البارة، وناقشنا في الجزء الثالث قداسة الله. ولكن هل ترك المحتوى المحدد الذي ناقشناه في كل مرة انطباعًا في نفوسكم؟ في الجزء الأول بعنوان "سلطان الله"، ما الذي ترك أعمق انطباع لديكم؟ وما الجزء الذي كان له أشد أثر فيكم؟ (أعلن الله أولًا سلطان كلمة الله وقوتها، فالله صالح مثل كلمته، وسوف تتحقَّق كلمته. هذا هو الجوهر المتأصل لله). (كان أمر الله للشيطان في تجربة أيوب هو أن يجربه دون أن يأخذ روحه. نرى في هذا سلطان كلمة الله). هل هناك ما يمكن إضافته؟ (استخدم الله الكلام ليخلق السماوات والأرض وكل ما فيهما، ونطق بكلام ليقطع عهدًا مع الإنسان، وليمنح بركاته للإنسان، وهذه الأمور جميعًا أمثلة لسلطان كلمة الله. بعدها رأينا كيف أن الرب يسوع أمر لعازر أن يخرج من قبره، وهذا يبيِّن أن الحياة والموت هما بيد الله، وأنه ليس للشيطان قدرة على السيطرة على الحياة والموت، وأنه إن كان عمل الله قد تم بالجسد أو بالروح فسلطانه فريد). توصلتم إلى هذا الفهم بعد سماع الشركة، أليس كذلك؟ عندما نتكلم عن سلطان الله، ما هو فهمكم لكلمة "سلطان"؟ ضمن نطاق سلطان الله، ماذا يرى الناس مما يفعله ويُظهره الله؟ (نرى قدرة الله وحكمته). (نرى أن سلطان الله حاضر أبدًا وأنه موجود حقًا. نرى سلطان الله على نطاقه الواسع في سيادته على جميع الأشياء، ونراه على نطاقه الصغير في سيطرته على حياة كل واحد من البشر. إن الله يخطط ويسيطر على الجوانب الستة للحياة البشرية. أضف إلى ذلك أننا نرى أن سلطان الله يمثل اللهَ ذاتَه، الفريد، والذي لا يمتلكه أحد من الكائنات المخلوقة أو غير المخلوقة. إن سلطان الله يرمز إلى مكانته). إن فهمكم "لرموز مقام الله ومكانته" يبدو فهمًا عقائديًا. هل لديكم أي معرفة جوهرية بسلطان الله؟ (لقد حرسَنا الله وحمانا منذ أن كنا صغارًا، ونرى سلطان الله في ذلك. لم نكن على وعي بالأخطار الكامنة حولنا، ولكن الله كان يحمينا دائمًا دون أن نراه. هذا أيضًا هو سلطان الله). جيد جدًا، أحسنتم.

عندما نتحدث عن سلطان الله، ما هي نقطة تركيزنا، نقطتنا الرئيسية؟ لماذا نحتاج إلى مناقشة هذا؟ الهدف الأول من مناقشة هذا هو أن تترسخ في قلوب الناس مكانة الله على أنه الخالق ومركزه بين جميع الأشياء. وهذا ما يمكن للناس أولًا أن يأتوا إلى معرفته ورؤيته والشعور به. ما تراه وما تشعر به يأتي من أعمال الله وكلامه وسيطرته على كل شيء. ولذلك فما الفهم الصحيح الذي يقتنيه الناس من كل ما يرونه ويتعلمونه ويعرفونه من خلال سلطان الله؟ لقد ناقشنا الغرض الأول بالفعل. أما الغرض الثاني فهو أن يرى الناس قوة الله وحكمته من كل ما صنعه وقاله وما خضع لسلطانه، وهو ما يسمح لك برؤية قوة الله وحكمته في السيطرة على كل شيء. أليس هذا هو موطن التركيز والنقطة الرئيسية في السلطان الفريد لله التي ناقشناها من قبل؟ لم ينقضِ وقت طويل منذ أجرينا ذلك النقاش، ومع ذلك فقد نسي البعض منكم ذلك، الأمر الذي يثبت أنكم لم تستوعبوا سلطان الله تمامًا، ويمكن أن يقال إن الإنسان لم يرَ سلطان الله. هل حظيتم الآن بقليل من الفهم؟ عندما ترى الله يمارس سلطانه، ماذا تشعر بالفعل؟ هل أحسست بقدرة الله حقًا؟ (نعم). عندما تقرأ كلام الله عن كيفية خلقه لجميع الأشياء فإنك تشعر بقدرته، وتشعر بقدرته الكلية، وعندما ترى سيادة الله على مصير الناس، بماذا تشعر؟ هل تشعر بقدرته وحكمته؟ إن لم يملك الله هذه القدرة، وإن لم يمتلك هذه الحكمة، فهل سيكون أهلًا للتمتع بالسيادة على جميع الأشياء وعلى مصير البشر؟ إن الله يملك القدرة والحكمة، ومن ثمَّ فهو يمتلك السلطان، وهذا فريد. هل رأيت شخصًا أو مخلوقًا في كل الخليقة له القوة نفسها التي يمتلكها الله؟ وهل هناك أحد أو شيء يتمتع بالقدرة على خلق السماوات والأرض وكل الأشياء، ويكون له السيطرة والسيادة عليها؟ هل يوجد أحد أو شيء يستطيع أن يحكم ويقود البشرية كلها، ويكون موجودًا في كل مكان وزمان؟ (كلا، لا يوجد). هل تفهمون الآن المعنى الحقيقي لسلطان الله الفريد؟ هل تتمتعون الآن ببعض الفهم؟ (نعم). بهذا نختتم مراجعتنا لموضوع سلطان الله الفريد.

تحدثنا في الجزء الثاني عن شخصية الله البارة. لم نناقش أمورًا كثيرة في هذا الموضوع، لأن عمل الله في المقام الأول يشتمل في هذه المرحلة على الدينونة والتأديب. في عصر الملكوت، تجلت شخصية الله البارة بوضوح وبتفصيل كبير. فقد نطق بكلام لم ينطق به منذ وقت الخلق، وقد رأى كل الناس – أي جميع مَن شاهد أو اختبر كلمته – أن شخصيته البارة قد تجلَّت. إذن، ما هي النقطة الرئيسية في نقاشنا حول شخصية الله البارة؟ هل تفهمونها فهمًا عميقًا؟ هل تفهمونها من الخبرة؟ (أحرق الله سدوم لأن الناس في ذلك الوقت كانوا شديدي الفساد، وأغضبوا الله. ونرى من هذا شخصية الله البارة). أولًا، لنلق نظرة: لو لم يدمر الله سدوم، هل كنت ستستطيع معرفة شخصيته البارّة؟ كنت ستستطيع فعل ذلك، أليس كذلك؟ يمكنك أن تشهد ذلك في الكلام الذي قاله الله في عصر الملكوت، وفي الدينونة والتأديب واللعنات التي يوجهها إلى الإنسان. هل ترون شخصية الله البارة في إنقاذه لنينوى؟ (نعم). في هذا العصر الحالي يمكن للناس أن يروا شيئًا من رحمة الله وحبه وتسامحه. كما يستطيعون أيضًا رؤية ذلك عندما يتوب الناس ويتغير قلب الله تجاههم. باستخدام هذين المثالين كمقدمة لمناقشة شخصية الله البارة، نرى بوضوح تجلي شخصيته البارة، لكن في الواقع لا ينحصر جوهر شخصية الله البارة في هاتين القصتين من الكتاب المقدس. مما تعلمتموه ورأيتموه واختبرتموه من خلال كلام الله وعمله، ما هي شخصية الله البارة كما ترونها؟ تكلموا من واقع اختباراتكم الشخصية. (في البيئات التي خلقها الله للناس، عندما يستطيع الناس البحث عن الحق والعمل بحسب إرادة الله، يرشدهم الله، وينيرهم، ويمكِّنهم من أن يشعروا بالنور في قلوبهم. أما إذا خالفوا الله وعاندوه ولم يتصرفوا بحسب إرادته، فسوف تملأ ظلمة شديدة قلوبهم، كما لو أن الله قد تخلَّى عنهم. حتى عندما يصلّون، لا يعرفون ما يقولون له. ولكن عندما يضعون أفكارهم وتخيلاتهم جانبًا، ويصبحون على استعداد للتعاون مع الله ويسعون إلى التحسن، فيصبحون تدريجيًا قادرين على رؤية وجه الله المبتسم. من هذا نختبر قداسة شخصية الله البارّة. يظهر الله في الملكوت المقدس، ولكنه يحتجب عن أماكن النجاسة). (أرى شخصية الله البارة في طريقة معاملته للناس. فإخوتنا وأخواتنا مختلفون في قاماتهم ومقدراتهم، وما يطلبه الله من كل منا يختلف أيضًا. إننا جميعًا قادرون على تلقي الاستنارة من الله بدرجات مختلفة، وبهذه الطريقة أرى بِرَّ الله، لأننا نحن البشر لا نستطيع معاملة الإنسان بهذه الطريقة نفسها، ولكن الله يستطيع). لديكم الآن جميعًا بعض المعرفة العملية التي يمكنكم التحدث عنها.

هل تفهمون النقطة الرئيسية حول معرفة شخصية الله البارة؟ يوجد الكثير ليُقال من واقع الخبرة في هذا الصدد، لكن توجد بضع نقاط رئيسية ينبغي أن أخبركم عنها. لفهم شخصية الله البارة، لا بُد أولًا من فهم مشاعر الله: ما يكره، وما يبغض، وما يحب، ومَن يسامح، ومَن يرحم، وما نوع الشخص الذي يحظى بتلك الرحمة. وهذه نقطة رئيسية. لا بُد من أن يفهم المرء أنه مهما كان الله مُحبًّا، ومهما يكن مقدار ما لديه من رحمة وحب للناس، فإنه لا يتسامح مع أي شخص يسيء إلى مكانته ومركزه، كما لا يتسامح مع أي أحد يمس جلاله. ومع أن الله يحب البشر، فإنه لا يشبع رغباتهم، بل يهبهم محبته ورحمته وتسامحه، لكنه لم يدللهم مطلقًا؛ فالله لديه مبادؤه وحدوده. بغض النظر عن مقدار شعورك بمحبة الله نحوك، وبغض النظر أيضًا عن مدى عمق تلك المحبة، يجب ألا تتعامل مع الله كما تتعامل مع شخص آخر. وعلى الرغم من صحة القول إن الله يعامل الناس بمودة شديدة، إن كان شخص ينظر إلى الله على أنه مجرد شخص آخر، وكما لو أنه مجرد مخلوق آخر، أو كصديق أو كمعبود، فسوف يخفي الله وجهه عنه وينبذه. هذه هي شخصيته، ويجب على الناس ألا يتعاملوا بلا مبالاة مع هذه القضية. ولذلك كثيرًا ما نرى كلامًا مثل هذا ينطقه الله عن شخصيته: مهما كان عدد الطرق التي سافرت فيها، والأعمال التي قمت بها، أو مدى ما تحملته من معاناة، بمجرد أن تسيء إلى شخصية الله، فسوف يجازي كلَ واحد منكم بناء على ما فعل. ما يعنيه هذا هو أن الله يعامل الناس بمودة شديدة، ولكن يتعين على الناس ألا يتعاملوا مع الله على أنه صديق أو قريب. لا تَدْعُ الله "صاحبك". فمهما كان نصيبك من محبة الله لك، ومهما وهبك من تسامح، عليك ألا تعامل الله على أنه مجرد صديق لك. هذه هي شخصية الله البارة. هل تفهمون هذا؟ هل أنا بحاجة إلى قول المزيد عن ذلك؟ هل لديكم فهم مسبق لهذا الأمر؟ بصورة عامة، هذا أسهل خطأ يرتكبه الناس، بغض النظر عما إذا كانوا يفهمون التعاليم، أو ما إذا كانوا قد تأملوا هذه القضية من قبل. عندما يسيء الناس إلى الله، قد لا يكون ذلك بسبب حدث ما أو شيء واحد قالوه، بل بالأحرى بسبب موقف يتخذونه أو حالة هم فيها. هذا أمر مفزع جدًا. يعتقد بعض الناس أنهم يفهمون الله، وأنهم يعرفونه بعض المعرفة، حتى إنهم قد يفعلون بعض الأمور التي ترضي الله. إنهم يبدؤون بالشعور أنهم مساوون لله وأنهم بخداعهم دخلوا في صداقة مع الله. وهذا النوع من المشاعر خطأ كبير. إن كنت لا تملك فهمًا عميقًا لهذا، وكنت لا تفهم هذا بوضوح، فعندئذ ستسيء إلى الله وإلى شخصيته البارّة بسهولة. أنت تفهم هذا الآن، صحيح؟ أليست شخصية الله البارة فريدة؟ هل هي مماثلة لشخصية إنسان أو موقفه الأخلاقي؟ كلا، مطلقًا. لذا يجب ألا تنسى أنه كيفما كانت معاملة الله للناس، أو كيفما كانت فكرته عن الناس، فإن مركز الله وسلطانه ومكانته لا تتغير أبدًا؛ فهو دومًا في نظر البشر رب جميع الأشياء والخالق.

ماذا تعلمتم عن قداسة الله؟ في هذا الجزء عن "قداسة الله"، بالإضافة إلى حقيقة أن شر الشيطان يُستخدم كشخصية الضد، ماذا كان المحتوى الرئيسي في مناقشتنا عن قداسة الله؟ أليس هو ماهية الله وما لديه؟ أليست ماهية الله وما لديه يتفرد بهما الله نفسه؟ (نعم). إنها ما لا تملكه المخلوقات. هذا هو السبب في قولنا إن قداسة الله فريدة، وهو شيء يجب عليكم أن تكونوا قادرين على فهمه. عقدنا ثلاثة اجتماعات عن موضوع قداسة الله. هل يمكنكم أن تصفوا بكلماتكم ومن خلال فهمكم ما تعتقدون أنها قداسة الله؟ (في آخر مرة تواصل الله معنا سجدنا له. وقد شارك الله معنا الحق حول السجود والانحناء لعبادته، ورأينا أن سجودنا لعبادته قبل تحقيق متطلباته لم يكن وفقًا لمشيئته، ومن هذا شهدنا قداسته). هذا صحيح جدًا. هل ثمة شيء آخر؟ (في كلام الله للبشر نرى أنه يتكلم بصراحة ووضوح، فهو صريح ومباشر. أما الشيطان فيتكلم بطريقة المراوغة وحديثه مملوء بالكذب. مما حدث في المرة الماضية عندما سجدنا لله وجدنا أن كلامه وأعماله كانت دائمًا منضبطة بحسب المبادئ؛ فهو على الدوام واضح ومحكم القول عندما يخبرنا كيف ينبغي أن نعمل، وكيف ينبغي علينا أن نراعي ذلك، وكيف يجب أن نمارس. لكن الناس ليسوا على هذه الشاكلة؛ فمنذ أن أفسد الشيطان البشر، ظلوا يتصرفون ويتكلمون بحسب دوافعهم وأغراضهم ورغباتهم الشخصية التي في أذهانهم. ومن خلال الطريقة التي يعتني الله فيها بالإنسان، ويهتم به ويحميه، نرى أن كل ما يفعله الله هو إيجابي وواضح. وبهذه الطريقة بالذات نرى الإعلان عن جوهر قداسة الله). طرح جيد! هل لدى أي أحد آخر أي شيء ليضيفه؟ (نرى قداسة الله من خلال كشف الله لجوهر الشيطان الشرير ونصبح على دراية أكبر بشره، ونرى مصدر معاناة الإنسان. في الماضي لم نكن على علم بمعاناة الإنسان تحت مُلك الشيطان، ولم نرَ إلا بعد أن كشف الله لنا هذا أن جميع المعاناة الناجمة عن البحث عن الشهرة والثروة هي من عمل الشيطان. حينها فقط شعرنا أن قداسة الله هي الخلاص الحقيقي للإنسان). هل ثمة أي شيء آخر تضيفونه إلى ذلك؟ (تفتقر البشرية الفاسدة إلى المعرفة الحقيقية والمحبة الصادقة لله. ولأننا لا نفهم جوهر قداسة الله، ولأننا عندما نسجد وننحني أمام الله في العبادة نفعل ذلك بأفكار دنسة ودوافع ومآرب خفية، فإن الله غير مسرور. نرى أن الله مختلف عن الشيطان؛ إذ يريد الشيطان للناس أن يفتتنوا به ويتملقوه وأن يسجدوا له ويعبدوه؛ فليس للشيطان مبادئ. من هذا أيضًا أعي قداسة الله). جيد جدًا! والآن وقد قدمنا شركة حول قداسة الله، هل ترون كمال الله؟ (نعم، نراه). هل ترون كيف أن الله هو مصدر كل الأمور الإيجابية؟ وهل أنتم قادرون على رؤية كيف أن الله هو تجسيد للحق والعدل. هل ترون كيف أن الله هو مصدر الحب؟ هل ترون كيف أن كل ما يفعله الله، وأن جميع ما يعبر عنه وكل ما يعلنه هو بلا عيب؟ (نرى ذلك). هذه هي النقاط الرئيسية لما قلته عن قداسة الله. تبدو لكم هذه الكلمات اليوم وكأنها مجرد تعاليم، ولكن ذات يوم عندما تختبر الإله ذاته الحق وتشهده من خلال كلامه وعمله، ستقول من أعماق قلبك إن الله قدوس، وهو مختلف عن البشر، وأن قلبه وشخصيته وجوهره جميعها مقدّسة. وتسمح هذ القداسة للإنسان برؤية كماله، وبرؤية أن جوهر قداسة الله منزه عن الأخطاء. ويدل جوهر قداسته على أنه الله ذاته، الفريد، كما تسمح للإنسان بأن يرى ويتأكد أنه الله ذاته الفريد. أليست هذه هي النقطة الرئيسية؟ (نعم، هي كذلك).

لقد قدمنا اليوم مراجعة لعدة موضوعات من مشاركات سابقة. ويختتم هذا مراجعة اليوم. آمل أن تتفاعلوا جميعًا مع النقاط الرئيسية في كل عنصر وموضوع. لا تفكروا بها على أنها تعاليم فحسب؛ فعندما يُتاح لكم الوقت الكافي، اقرأوها بتمعن حقيقي وتأملوها. احفظوها في قلوبكم وطبقوها في واقعكم، وسوف تختبر بحق كل ما قلته عن حقيقة إعلان الله عن شخصيته وإظهاره لمن هو وما لديه. لكنك إن كنت تكتبها فقط في مفكرتك ولا تقرأها بتمعن أو تفكر بها جيدًا، فلن تقتنيها في داخلك أبدًا. أنت تفهم الآن، صحيح؟ بعد أن تواصلنا بشأن هذه الموضوعات الثلاثة، بمجرد أن يحظى الناس بفهم عام – أو حتى محدد – لمكانة الله وجوهره وشخصيته، فهل سيكتمل فهمهم عن الله؟ (كلا). والآن من خلال فهمكم لله، هل ثمة مجالات أخرى تشعرون فيها أنكم بحاجة إلى فهم أعمق؟ أي، بعد أن فهمتم بعض الفهم عن سلطان الله وشخصيته البارة وقداسته، لعل مكانته الفريدة ومركزه الرفيع قد رسخا في أذهانكم، لكن يتبقى لكم أن تروا وتفهموا وتعمقوا معرفتكم بأعماله وقوته وجوهره من خلال اختباركم الشخصي. الآن وقد استمعتم إلى هذه المشاركات، فقد ازداد أو قل رسوخ مقالة الإيمان في قلوبكم: الله موجود حقًا، والحقيقة أنه يدير كل الأشياء، ولا يجوز لأحد أن يسيء إلى شخصيته البارة، وقداسته أمر يقيني لا يمكن لأحد التشكيك فيه. هذه حقائق، وتسمح هذه المشاركات بأن يكون لمكانة الله ومركزه أساس في قلوب الناس. ما إن يترسخ هذا الأساس، يجب على الناس أن يحاولوا الوصول إلى مزيد من الفهم.

الله مصدر الحياة لجميع الأشياء (أ)

سأتحدث إليكم اليوم عن موضوع جديد. ما هو هذا الموضوع؟ عنوان الموضوع هو "الله هو مصدر الحياة لجميع الأشياء". ألا يُعد هذا موضوعًا واسعًا للمناقشة نوعًا ما؟ هل يبدو كما لو كان أمرًا يصعب عليكم فهمه تقريبًا؟ قد يبدو موضوع "الله مصدر الحياة لجميع الأشياء" موضوعًا يشعر الناس أنهم في منأى عنه، غير أنه لا بُد لجميع مَن يتبعون الله أن يستوعبوه؛ ذلك لأن هذا الموضوع يرتبط ارتباطًا عضويًا بالمعرفة التي لكل شخص عن الله، وبقدرته على إرضاء الله واتقائه. ولهذا سوف أقدم شركة عن هذا الموضوع. يمكن أن يكون لدى الناس فهم أساسي مسبق لهذا الموضوع، أو ربما هم على علم به بدرجة ما. وقد تصاحب هذه المعرفة وهذا العلم درجةً بسيطةً أو ضحلةً من الفهم في أذهان بعض الناس. وقد يكون لدى آخرين بعض التجارب الخاصة في قلوبهم قادتهم إلى مواجهة عميقة وشخصية مع هذا الموضوع. ولكن هذه المعرفة المسبقة، سواء أكانت عميقة أو سطحية، فهي معرفة من جانب واحد وليست محددة بصورة كافية. ولهذا اخترت هذا الموضوع ليكون موضوعًا للمشاركة، والهدف من ذلك هو مساعدتكم على الوصول إلى فهم أكثر تحديدًا وعمقًا. سوف أستخدم طريقة خاصة للتحدث إليكم عن هذا الموضوع، وهي طريقة لم نستخدمها من قبل، وقد تجدونها نوعًا ما غير عادية، أو غير مريحة قليلًا. ستعرفون ما أعنيه بذلك لاحقًا. هل تحبون الاستماع إلى القصص؟ (نعم نحب). يبدو أنني على حق في اختياري طريقة سرد القصص، بما أنكم جميعًا تحبون سماع القصص. إذن، لنبدأ الآن. لا داعي لأن تدونوا الملاحظات، وأطلب منكم الهدوء وعدم التململ. يمكنكم إغلاق أعينكم إن شعرتم أنكم مشتتون بسبب الأشياء أو الأشخاص المحيطين بكم. عندي قصة رائعة سأحكيها لكم. إنها قصة عن بذرة، وتربة الأرض، وشجرة، وضوء الشمس، والطيور، والإنسان. ما هي الشخصيات الرئيسية في القصة؟ (بذرة، وتربة الأرض، وشجرة، وضوء الشمس، والطيور، والإنسان). هل الله ضمن شخصيات القصة؟ (كلا). ولكنني متأكد من أنكم بعد سماع القصة سوف تشعرون بالارتياح والرضا. والآن أرجو أن تستمعوا في هدوء.

القصة (1): بذرة، وتربة الأرض، وشجرة، وضوء الشمس، والطيور، والإنسان

سقطت بذرة على الأرض، وبعد أن هطل عليها مطر غزير خرج منها برعم غض، بينما تسللت جذورها ببطء في عمق التربة. ثم نما البرعم وكبر مع مرور الوقت محتملًا الرياح القاسية وماء المطر العنيف، وشهد تغير الفصول مع بزوغ القمر وتضاؤله. وفي الصيف انبجست من الأرض هبات من الماء الذي ساعد البرعم على تحمل حرارة الموسم الحارقة. وبفضل التربةُ، لم تحرق الحرارة البرعم وبذلك تخطّى أسواء درجات حرارة الصيف. وعندما حل فصل الشتاء، أحاطت تربة الأرض بالبرعم في حضنها الدافئ، والتصق كل منهما بالآخر بإحكام. وفرت التربة الدفء للبرعم وبذلك نجا من برد الشتاء القارس ولم تؤذه رياح الشتاء والعواصف الثلجية. ونتيجة لحماية الأرض له نما البرعم وصار جميلًا وسعيدًا. وبفضل الرعاية المتفانية التي وفرتها له الأرض، نما البرعم واشتد وصار قويًا، وراح يغني سعيدًا تحت المطر، ويرقص ويتمايل مع الرياح. يعتمد البرعم والأرض كل منهما على الآخر...

مرت الأعوام وغدا البرعم الآن شجرة سامقة، ووقفت راسخة على الأرض تكسوها أوراق لا تعد ولا تحصى، بينما ضربت الشجرة جذورها في أعماق الأرض كما فعلت من قبل، وغاصت جذورها إلى أعماق التربة في الأسفل. صارت الآن التربة، التي حمت البرعم الصغير في الماضي، أساسًا لشجرة قوية.

سطع شعاع من ضوء الشمس على الشجرة، بينما مالت الشجرة ومدت فروعها على نطاق واسع، وتنسمت الهواء الممزوج بالشمس المشرقة. أما تربة الأرض تحتها فتنفست في الوقت نفسه مع الشجرة، وشعرت التربة بالتجدد. وعندها هبت نسمة منعشة بين الأغصان، اهتزت الشجرة في بهجة وتفجرت بالطاقة. تعتمد الشجرة وضوء الشمس على بعضهما بعضًا...

جلس الناس في ظل الشجرة البارد، ونعموا بعبير الهواء العطر المنعش، وقد طهر الهواء قلوبهم ورئاتهم، ونقّى الدمَ داخلهم، فلم تعد أجسامهم تشعر بالتعب أو التقيُّد. يعتمد الناس والشجرة بعضهما على بعض...

حط سرب من الطيور المزقزقة على أغصان الشجرة، ربما حطَّت الطيور لتتفادى مفترسًا ما، أو لترعى وتربي صغارها، أو ربما لتأخذ استراحة قصيرة. تعتمد الطيور والشجرة بعضهما على بعض...

أما جذور الشجرة الملتفة والمتشابكة فحفرت ونزلت في أعماق الأرض. وفّر الجذع الحماية للأرض من الريح والمطر، وامتدت أغصانه الضخمة لتحمي الأرض التي أسفلها. لقد فعلت الشجرة ذلك لأن الأرض كانت أمها. إنها تقوِّي بعضها بعضًا، وتعتمد على بعضها بعضًا، ولا تبتعد عن بعضها أبدًا...

وبهذا تنتهي هذه القصة. لقد كانت القصة عن بذرة، وتربة الأرض، وشجرة، وضوء الشمس، والطيور، والإنسان. لا تحوي القصة سوى بضعة مشاهد. ما هي المشاعر التي تركتها فيكم؟ عندما أتحدث بهذه الطريقة، هل تفهمون ما أقوله؟ (نعم، نفهم). أرجو أن تتحدثوا عن مشاعركم. بماذا شعرتم بعد سماعكم لهذه القصة؟ سوف أخبركم أولًا أنه يمكنكم رؤية ولمس جميع الشخصيات؛ فهذه أشياء حقيقية، وليست مجازية. أود منكم أن تأخذوا ما قلته في اعتباركم. لم تشتمل القصة التي رويتها على أي أمر سري، ويمكن التعبير عن نقاطها الأساسية في بضع جمل في القصة. (إن القصة التي سمعناها ترسم صورة جميلة: تأتي البذرة إلى الحياة، وحالما تنمو فإنها تمر خلال أربعة فصول في العام، هي: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء. تغذي الأرض بذرة البرعم كما تفعل الأم. فهي تهب البرعم الدفء في الشتاء لكي ينجو من البرد، وبعد أن يكون البرعم قد نما وأصبح شجرة، يلامس شعاع من ضوء الشمس أغصانها، فتُفعَم الشجرة بكثير من البهجة. من بين جميع الأشياء التي خلقها الله، أرى أن الأرض أيضًا حية، وأنها هي والشجرة تعتمدان على بعضهما بعضًا، كما أرى أيضًا أن ضوء الشمس يأتي بكثير من الدفء للشجرة. ومع أن من بين الأمور الشائعة رؤية الطيور، أرى كيف يسود الانسجام فيما بين الطيور والشجرة والناس. هذه هي المشاعر التي أشعر بها في قلبي عندما سمعت هذه القصة. أدركت أن جميع هذه الأشياء هي بالفعل حية). نِعْم القول! هل لدى أي منكم ما يضيفه؟ (في هذه القصة التي تحكي عن تَبرعُم البذرة ونموها لتصبح شجرة باسقة، أرى الأشياء العجيبة التي صنعها الله؛ فقد جعل الله كل الأشياء تقوِّي بعضها بعضًا وتعتمد على بعضها بعضًا، وهي جميعًا مرتبطة أيضًا بعضها ببعض وتخدم بعضها بعضًا. أرى حكمة الله، وعجبه، وأرى أنه مصدر الحياة لجميع الأشياء).

كل شيء تكلمت عنه للتو هو شيء رأيتموه من قبل. البذور، على سبيل المثال، تنمو لتصير أشجارًا، ومع أنكم قد لا تستطيعون أن تروا كل تفصيلة من تفاصيل العملية، لكنكم تعرفون أنها تحدث، أليس كذلك؟ لديك أيضًا معرفة عن الأرض وضوء الشمس، وصورة الطيور المغردة التي تحط على شجرة هي شيء شاهده جميع الناس، أليس كذلك؟ وصورة الناس الذين يستظلون في ظل شجرة، هذا شيء رأيتموه جميعًا، صحيح؟ (نعم صحيح). إذن، فما هو الشعور الذي يراودكم عندما تكون كل هذه الأشياء في صورة واحدة؟ (شعور بالانسجام). هل كل شيء من الأشياء الموجودة في مثل هذه الصورة مصدرها الله؟ (نعم). بما أنها تأتي جميعها من الله، فإن الله يعلم قيمة وأهمية الوجود الأرضي لجميع هذه الأشياء المختلفة. عندما خلق الله جميع الأشياء، عندما خطط وخلق كل شيء، عمل ذلك بقصد، وعندما خلق تلك الأشياء، كان كل منها مفعمًا بالحياة. ففي البيئة التي خلقها لمعيشة البشر، وقد وصفناها للتو في قصتنا، يوجد اعتماد متبادل بين البذرة وتربة الأرض؛ إذ يمكن للأرض أن تغذي البذرة، وترتبط البذرة بالأرض، حدد الله هذه العلاقة منذ بداية الخليقة التي خلقها. إن مشهد الشجرة، وضوء الشمس، والطيور، والإنسان هو تصوير للبيئة الحية التي خلقها الله للبشر. أولًا، لا تستطيع الشجرة مغادرة الأرض، ولا تستطيع الاستغناء عن ضوء الشمس أيضًا. إذًا، ماذا كان هدف الله من خلق الشجرة؟ هل يمكننا القول إنها خُلقت لأجل الأرض فقط؟ هل يمكننا القول إنها خُلقت لأجل الطيور فقط؟ هل نستطيع القول إنها خُلقت من أجل الناس فقط؟ (كلا). ما العلاقة بينها؟ العلاقة بينها علاقة متبادلة لتقوية بعضها بعضًا والاعتماد على بعضها بعضًا، وهي علاقة لا يمكن فصلها. بمعنى أن تربة الأرض والشجرة وضوء الشمس والطيور والناس يعتمد بعضها على بعض في وجودها، ويغذي بعضها بعضًا؛ فالشجرة تحمي تربة الأرض، بينما تمد التربة الشجرة بالغذاء، أما أشعة الشمس فتمد الشجرة بالضوء، بينما تحصل الشجرة على الهواء النقي من ضوء الشمس وتساعد على تخفيف حرارة الشمس الحارقة على الأرض. مَن الذي يستفيد من هذا في نهاية المطاف؟ يستفيد الإنسان من هذا، أليس كذلك؟ وهذا واحد من المبادئ التي تستند إليها البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والتي خلقها الله، وهو ما قصده الله منها منذ البداية. ومع أن هذه صورة بسيطة، فإنه يمكننا أن نرى فيها حكمة الله وقصده. لا يمكن للإنسان أن يعيش بدون الأرض، أو بدون الأشجار، أو بدون الطيور وضوء الشمس، أليس كذلك؟ حتى إن كانت هذه مجرد قصة، فهي صورة مصغرة للكون الذي خلق فيه الله السماوات والأرض وكل شيء، وإنعامه على الإنسان ببيئة يعيش فيها.

خلق الله السماوات والأرض وجميع الأشياء لأجل الإنسان، وخلق كذلك البيئة ليعيش فيها. أولًا، النقطة الرئيسية التي ناقشناها في القصة هي علاقة التقوية المتبادلة والاعتماد المتبادل والتعايش بين كل الأشياء. وبموجب هذا المبدأ، تتوافر الحماية للبيئة التي يعيش فيها الإنسان، فيمكنها أن تبقى وتستمر. وبسبب هذا، تستطيع البشرية أن تزدهر وتتكاثر. إن الصورة التي رأيناها كانت صورة شجرة وتربة وضوء الشمس والطيور والناس معًا. هل كان الله في هذه الصورة؟ لم يرَ أحد الله في الصورة، صحيح؟ لكن رأى المرء قانون علاقة التقوية والاعتماد المتبادلة بين الأشياء في المشهد، ومن خلال هذا القانون يستطيع المرء أن يرى وجود الله وسيادته. يستخدم الله مثل هذا القانون ليحفظ حياة كل شيء ووجوده. وبهذه الطريقة يعول كل الأشياء ويرزق كل البشر. هل لهذه القصة أي علاقة بموضوعنا الرئيسي؟ يبدو من الناحية الظاهرية أنها لا ترتبط بموضوعنا الرئيسي، أما في الواقع فإن القانون الذي بحسبه خلق الله جميع الأشياء وسيادته على كل الأشياء ترتبط ارتباطًا وثيقًا بكونه مصدر الحياة لجميع الأشياء، ولا يمكن فصل هذه الحقائق عن بعضها بعضًا. لقد بدأتم تعلُّم بعض الأمور الآن!

الله هو سيد القوانين التي تحكم عمل جميع الأشياء، وهو الذي يسيطر على القوانين التي تتحكم ببقاء جميع الأشياء، وهو يسيطر على جميع الأشياء ويضبطها لتقوِّي بعضها بعضًا وتعتمد على بعضها بعضًا حتى لا تهلك أو تختفي، وبهذا وحده يمكن أن يستمر وجود البشرية، ويستطيع الإنسان العيش في مثل هذه البيئة تحت إرشاد الله. إن الله هو سيد قوانين العمل هذه، ولا يستطيع أحد التدخل فيها أو تغييرها، والله ذاته وحده هو الذي يعلم هذه القوانين، وهو وحده يديرها. متى ستتبرعم الأشجار، ومتى سينزل المطر، وكم من الماء والعناصر الغذائية ستعطي الأرضُ إلى النباتات، وفي أي فصل ستسقط أوراق الأشجار، وفي أي فصل تثمر الأشجار، وكم ستمنح أشعة الشمس من عناصر غذائية للأشجار، وماذا ستطلق الأِشجار من غازات بعد أن تكون قد كوَّنت غذاءها من ضوء الشمس – هذه هي جميع الأشياء التي سبق الله ودبرها عندما خلق كل شيء، وهي قوانين لا يمكن للإنسان أن ينتهكها. والأشياء التي خلقها الله – سواء كانت حية أو تبدو للناس أنها غير حية – هي كلها في يدَي الله، حيث يسود عليها ويحكمها، ولا يستطيع إنسان أن يغير أو يخالف هذه القوانين. ومعنى هذا أنه عندما خلق الله كل الأشياء فإنه قد سبق وعيَّن أنه بدون التربة لما استطاعت الشجرة أن تضرب جذورها وتتبرعم وتنمو. وأنه لو لم توجد أشجار على الأرض، لجفت الأرض، وأن على الشجرة أن تصير مأوى الطيور، وهي مكان تأوي إليه وتحتمي فيه من الرياح. هل يمكن أن تحيا الشجرة بدون ضوء الشمس؟ (كلا). ولا يمكنها أيضًا أن تحيا بالتربة فحسب. كل هذه الأشياء هي من أجل البشر ومن أجل بقائهم؛ حيث يستقبل الإنسان الهواء النقي من الشجرة، ويعيش على الأرض التي تحميها الشجرة، ولا يستطيع الإنسان العيش بدون ضوء الشمس، كما لا يستطيع العيش بدون الكائنات الحية المختلفة. وعلى الرغم من تعقُّد هذه العلاقات، يتعين عليك أن تتذكر أن الله قد خلق القوانين التي تحكم جميع الأشياء بحيث تقوِّي بعضها بعضًا وتعتمد على بعضها بعضًا وتتعايش معًا. بعبارة أخرى، كل شيء خلقه له قيمة وأهمية. لو أن الله خلق شيئًا ليس له أهمية، لتركه يختفي. هذه إحدى الطرق التي استخدمها ليعول كل الأشياء. إلام تشير كلمة "يعول" في هذه القصة؟ هل يسقي الله الشجرة كل يوم؟ وهل تحتاج الشجرة إلى عون من الله لكي تتنفس؟ (كلا). تشير كلمة "يعول" هنا إلى تدبير الله لجميع الأمور بعد خلقها، يكفي الله أن يديرها بعد وضع القوانين التي تسوسها. ما إن تُغرس بذرة في الأرض، تنمو الشجرة من تلقاء نفسها؛ إذ قد خلق الله الظروف لنموها؛ حيث سخَّر ضوء الشمس والماء والتربة والهواء والبيئة المحيطة، وصنع الرياح والصقيع والثلج والمطر والفصول الأربعة. هذه هي الظروف التي تحتاج إليها الشجرة لكي تنمو، وهذه هي الأشياء التي أعدها الله. إذن، هل الله هو مصدر هذه البيئة الحية؟ (نعم). هل يتعين على الله أن يخرج كل يوم ويحصي كل ورقة من أوراق الأشجار؟ كلا. كذلك لا يتعين على الله أن يساعد الشجرة على أن تتنفس، أو أن يوقظ ضوء الشمس كل يوم بأن يقول: "آن الوقت لأن تسطع على الأشجار الآن". ليس عليه أن يفعل ذلك. يشع ضوء الشمس من تلقاء نفسه حين يحل وقت السطوع، كما هو مقدر في القوانين؛ فضوء الشمس يظهر ويسطع على الشجرة، وتمتص الشجرة ضوء الشمس عندما تحتاج إليه، وعندما لا توجد حاجة إليه، تظل الشجرة تحيا داخل القوانين. ربما لا يمكنكم تفسير هذه الظاهرة بوضوح، ولكنها حقيقة يمكن لأي شخص رؤيتها والاعتراف بها. وكل ما تحتاج إلى فعله هو أن تقرّ بأن القوانين التي تحكم وجود جميع الأشياء تأتي من الله، وأن تعلم أن الله يتحكم في نمو جميع الأشياء وبقائها.

الآن، هل تحتوي هذه القصة على ما يسميه الناس "استعارة مجازية"؟ هل هي تشخيص؟ (كلا). لقد حكيت قصة حقيقية. فكل شيء حي، وكل ما له حياة يحكمه الله، وقد منحه الله الحياة بعد أن خلقه، فحياة كل كائن حي تأتي من الله، وهو يتبع المسار والقوانين التي توجهه، ولا يتطلب هذا أن يغيره الإنسان، كما لا يتطلب عونًا من الإنسان. هذه هي أحدى طرق إعالة الله لجميع الأشياء. تفهمون ذلك، صحيح؟ هل ترون أنه من الضروري للناس أن يعرفوا هذا؟ (نعم). إذن، هل لهذه القصة علاقة بعلم الأحياء؟ هل لها علاقة بطريقة ما بأي مجال من مجالات المعرفة أو فرع من فروع التعلم؟ نحن لا نناقش علم الأحياء، كما أنه من المؤكد أننا لا نُجري أي أبحاث بيولوجية. ما هي النقطة الرئيسية في حديثنا؟ (أن الله هو مصدر الحياة لجميع الأشياء). ماذا ترون في الخليقة؟ هل رأيتم أشجارًا؟ هل رأيتم الأرض؟ (نعم). لقد رأيتم ضوء الشمس، صحيح؟ هل رأيتم الطيور تُعشّش في الأشجار؟ (نعم، رأينا). هل الإنسان سعيد بالعيش في مثل هذه البيئة؟ (نعم). هذا يعني أن الله يستخدم كل الأشياء – الأشياء التي خلقها – ليحفظ ويحمي موطن الإنسان، أي بيئة حياته. وبهذه الطريقة يعول الله الإنسان وجميع الأشياء.

ما هو شعوركم تجاه هذا الأسلوب من الحديث، وهذه الطريقة في تقديم الشركة؟ (من السهل فهمها، وهناك أمثلة كثيرة من واقع الحياة). هذه الكلمات التي أتحدث بها ليست مجرد كلمات جوفاء، أليس كذلك؟ هل يحتاج الناس إلى هذه القصة ليفهموا أن الله هو مصدر الحياة لجميع الأشياء؟ (نعم). إن كان الأمر كذلك، فدعونا ننتقل إذًا إلى القصة التالية. يختلف مضمون القصة التالية قليلًا، كما يختلف التركيز فيها قليلًا أيضًا. فكل شيء يظهر في هذه القصة هو شيء يستطيع الناس أن يروه بأعينهم وسط خليقة الله. سوف أبدأ حكايتي التالية الآن، وأرجو أن تستمعوا إليها بهدوء وتروا إن كنتم تستطيعون فهم ما أعنيه. وبعد نهاية القصة، سوف أسألكم بعض الأسئلة لأرى مقدار ما تعلمتموه. الشخصيات الرئيسية في هذه القصة هي جبل عظيم، وجدول صغير، ورياح عاتية، وموجة عملاقة.

القصة (2): جبل عظيم، وجدول صغير، وريح عاتية، وموجة عملاقة

كان هناك جدول صغير تعرّج مجراه يمنة ويسرة حتى وصل أخيرًا إلى سفح جبل عظيم. كان الجبل يسد الطريق أمام الجدول الصغير؛ فتوسل إليه قائلًا بصوته الضعيف النحيل: "أرجو أن تدَعني أمرّ؛ فأنت تقف في طريقي وتمنعني من الاستمرار في الجريان". فسأله الجبل: "إلى أين أنت ذاهب؟" فأجابه الجدول الصغير: "أنا أبحث عن بيتي". قال الجبل: "حسنًا، امضِ قُدُمًا وليكن جريانُك من فوقي!" غير أن الجدول الصغير كان ضعيفًا جدًا وغضًا للغاية، واستحال عليه الجريان من فوق ذلك الجبل الضخم، ولذلك لم يكن أمامه من خيار سوى أن يتابع جريانه إلى سفح الجبل...

هبت ريحٌ عاتيةُ، حاملةً معها الرملَ والغبار إلى حيث كان الجبل منتصبًا، وصرخت الرياح قائلة له: "دعني أمرّ!" فسألها الجبل: "إلى أين أنت ذاهبة؟" فعصفت الريح وأجابت: "أريد أن أذهب إلى الجانب الآخر من الجبل". قال الجبل: "حسنًا، إن استطعتِ اختراقي في الوسط، فيمكنكِ الانطلاق!" عصفت الريح العاتية في كل الجهات، ولكن مهما كان هبوبها عنيفًا لم تتمكن من اختراق الجبل من وسطه. تعبت الريح وتوقفت لتستريح، ثم بدأ في الجانب الآخر من الجبل هبوب نسيم عليل، فأدخل السرور في قلوب الناس هناك. وكان هذا بمثابة التحية التي ألقاها الجبل على الناس...

على الشاطئ كان رذاذ المحيط ينحدر بلطف على الحيد البحري. وفجأة ظهرت موجة عملاقة واتجهت هادرة نحو الجبل. صرخت الموجة العملاقة: "افسح الطريق!" سألها الجبل: "إلى أين أنتِ ذاهبة؟" لم تتوقف الموجة العظيمة، وردت على الجبل قائلة: "إنني أوسّع تخومي وأريد أن أمد ذراعيّ بعيدًا". قال الجبل: "حسنًا، إن استطعتِ عبور قِمّتي فسأفسح الطريق لك". ارتدّت الموجة الضخمة قليلًا ثم اندفعت مرتفعة نحو الجبل، لكنها مهما حاولت وبذلت من جهد فإنها لم تستطع تخطّي قمة الجبل، ولم تستطع سوى التقهقر ببطء عائدة إلى البحر...

تدفقت مياه الجدول الصغير برفق حول سفح الجبل لآلاف السنين. وباتباعه لاتجاهات الجبل، تمكَّن الجدول الصغير من العودة إلى موطنه، حيث انضم إلى نهر، والذي بدوره انضم إلى البحر. في ظل رعاية الجبل، لم يضل الجدول طريقه قط. لقد عزَّز الجدول والجبل بعضهما بعضًا واعتمد بعضهما على بعض، وقوَّى كل منهما الآخر، وواجه أحدهما الآخر، وتعايشا معًا.

لم تغير الريح العاتية خلال آلاف السنين عوائدها بالعواء على الجبل؛ فقد ظلت تأتي كثيرًا "لتزور" الجبل، وشكلت بهبوبها دوامات رملية، وهددت الجبل، غير أنها لم تستطع قط اختراقه من وسطه. لقد اعتمد كل من الريح والجبل بعضهما على بعض وعزَّز بعضهما بعضًا، وقوَّى كل منهما الآخر، وواجه أحدهما الآخر، وتعايشا معًا.

لم تذق الموجة العملاقة أيضًا طعم الراحة لآلاف السنين، وسارت بلا هوادة متقدمة إلى الأمام، موسعة تخومها؛ كانت تزمجر وتندفع مرة تلو المرة نحو الجبل، ومع ذلك لم يتحرك الجبل مقدار أنملة. راقب الجبل البحر، وبهذه الطريقة تكاثرت الأحياء في البحر وازدهرت. لقد اعتمدت كل من الموجة والجبل بعضهما على بعض وعزَّز بعضهما بعضًا، وقوَّى كل منهما الآخر، وواجه كل منهما الآخر، وتعايشا معًا.

انتهت القصة. أولًا، أخبروني عمّا كانت تحكي القصة؟ أولًا، كان هناك جبل، وجدول صغير، وريح عاتية، وموجة عملاقة. ماذا حدث في المقطع الأول مع الجدول الصغير والجبل العظيم؟ لماذا اخترت أن أتحدث عن جبل وجدول؟ (في ظل حماية الجبل، لم يضلَّ الجدول طريقه قط؛ فقد اعتمد كل منهما على الآخر). هل تقولون إن الجبل حمى الجدول الصغير أم أعاقه؟ (حَماهُ). لكن هل أعاقه؟ كان الجبل والجدول يراعيان بعضهما بعضًا، وقد وفر الجبل الحماية للجدول، لكنه أعاقه أيضًا. لقد وفر الجبل الحماية للجدول لكي يتمكن من أن ينضم إلى النهر، ولكنه منعه من التدفق في المكان الخطأ، محدثًا فيضانات ومسببًا كوارث للناس. ألم تكن هذه هي الفكرة التي تدور حولها الفقرة؟ بسبب حماية الجبل للجدول وقيامه بدور الحاجز حمى بيوت الناس. ثم انضم الجدول الصغير إلى النهر عند سفح الجبل، وبعد ذلك صبَّ في البحر، أليس هذا هو القانون الذي يحكم وجود الجدول؟ ما الذي مكَّن الجدول من الانضمام إلى النهر والبحر؟ ألم يكن الجبل؟ لقد اعتمد الجدول على حماية الجبل وعلى عرقلته له. أليست هذه هي الفكرة الرئيسية؟ هل ترى أهمية الجبل للماء في هذا؟ هل لله غاية في صنع الجبال العالية منها والمنخفضة؟ (أجل). هذا مقطع صغير، ومن خلال جدول صغير وجبل كبير فحسب دعونا نرى قيمة ودلالة خلق الله لهذين الشيئين. إنهما يظهران لنا أيضًا حكمته وغرضه في سيادته عليهما. أليس هذا صحيحًا؟

ماذا تناولت الفقرة الثانية من القصة؟ (ريح عاتية والجبل العظيم). هل الرياح أمر جيد؟ (أجل). ليس بالضرورة، فالرياح أحيانًا تكون شديدة القوة إلى درجة أنها تتسبب في كارثة. كيف ستشعر إن اضطررتَ إلى البقاء في الخارج أثناء الرياح العاتية؟ يتوقف الأمر على مدى شدة الرياح، أليس كذلك؟ فإن كانت رياحًا من الدرجة الثالثة أو الرابعة، فستكون محتملة. على أقصى تقدير سيكون من الصعب على المرء أن يُبقي عينيه مفتوحتين. ولكن هل تستطيع تحمُّل الريح إن هبت بشدة كافية وأصبحت إعصارًا؟ لن يكون بإمكانك تحمُّلها. ولذلك فمن الخطأ أن يقول الناس عن الرياح إنها جيدة دومًا، أو سيئة دومًا؛ لأن ذلك يتوقف على مدى قوتها. الآن، ما عمل الجبل هنا؟ أليس عمله هو ترشيح الريح؟ إلام يخفف الجبل الرياح العاتية؟ (إلى نسيم عليل). والآن في البيئة التي يسكنها البشر، هل يختبر الناس رياحًا عاتية أم نسيمًا عليلًا؟ (يختبرون نسيمًا عليلًا). أليست هذه إحدى الغايات من خلق الله للجبال وأحد مقاصده؟ كيف سيكون الحال بالنسبة إلى الناس إن عاشوا في بيئة تحرك فيها الرياح حبات الرمال بشدة بدون وجود أي شيء يحجبها عنهم أو يصفّيها لهم؟ ألن تكون الأرض التي تهب فيها الرياح محملة بالرمل والحصى غير صالحة للمعيشة؟ قد يصيب الحصى الناس، وقد تعمي الرمال عيونهم. قد تجرف الريح الناس فتزلزل أقدامهم أو تحملهم في الجو. وقد تتدمر البيوت وتقع جميع أنواع الكوارث. ومع ذلك، هل لوجود الريح العاتية قيمة؟ قلتُ إنها سيئة ولذا قد يشعر أحد بأنها عديمة القيمة، لكن هل هذا صحيح؟ ألا يكون لها قيمة عندما تتحول إلى نسيم؟ ما الذي يكون الناس في حاجة ماسة إليه عندما يكون الجو رطبًا أو خانقًا؟ إنهم يحتاجون إلى نسمة عليلة لتهب عليهم برفق وتنعشهم وتصفّي رؤوسهم، وتشحذ تفكيرهم، وتصلح وتحسّن حالتهم الذهنية. على سبيل المثال، أنتم الآن جميعًا جالسون في غرفة مع عدد كبير من الأشخاص، والهواء فاسد، فما الذي تشتد حاجتكم إليه؟ (نسيم عليل). الذهاب إلى مكان يكون فيه الهواء مكدَّرًا وملوثًا قد يجعل تفكير الإنسان بطيئًا، ويضعف تدفق الدم لديه، ويقلل من صفاء ذهنه. لكن قليل من حركة الهواء ودورانه يجدد الهواء ويشعر الناس باختلاف في الهواء المنعش. مع أن الجدول الصغير قد يتسبب في كارثة، ومع أن الريح العاتية قد تؤدي إلى كارثة، فما دام الجبل موجودًا فسوف يحوِّل خطرها هذا إلى مصدر نفع للناس، أليس ذلك صحيحًا؟

عمَّ تتحدث الفقرة الثالثة من القصة؟ (الجبل العظيم والموجة العملاقة). الجبل العظيم والموجة العملاقة. توجد هذه الفقرة؛ حيث نشاهد الجبل، ورذاذ أمواج المحيط، وموجة ضخمة. ماذا يمثل الجبل بالنسبة إلى الموجة في هذه الحالة؟ (يمثل حاميًا وحاجزًا). إنه حامٍ وحاجز في آن واحد. بصفته حاميًا، فإنه يحفظ البحر من الاختفاء لكي تتمكن الكائنات التي تعيش فيه من النمو والازدهار. أما بالنسبة إلى كون الجبل حاجزًا، فهو يمنع مياه البحر من الفيضان وإحداث كارثة ومن إيذاء مساكن الناس وتدميرها؛ ولذلك يمكننا القول إن الجبل هو حاجز وحامٍ على حدٍّ سواء.

هذه هي أهمية الترابط بين الجبل العظيم والجدول الصغير، وبين الجبل العظيم والريح العاتية، وبين الجبل العظيم والموجة العملاقة. إنها أهمية تقوية كل منهما للآخر ومواجهة كل منهما الآخر، وتعايشهما معًا. هذه الأشياء التي خلقها الله محكومة في بقائها بقانون وناموس. إذن، ما أعمال الله التي رأيتها في هذه القصة؟ هل ظل الله يتجاهل كل الأشياء منذ أن خلق الكون؟ هل وضع القوانين وصمم الطرق التي تؤدي بها جميع الأشياء وظيفتها حتى يتجاهلها بعد ذلك؟ هل ذلك هو ما حدث؟ (كلا). إذًا، ماذا حدث؟ ما زال الله يضبط الأمور. فهو يضبط الماء والرياح والأمواج؛ ولا يدعها تعيث في الأرض فسادًا ولا يتركها تسبب الأذى أو الخراب للبيوت التي تسكنها الناس، ونتيجة لذلك يستطيع الناس الاستمرار في الحياة والتكاثر والازدهار على الأرض. هذا يعني أن الله قد خطط بالفعل قوانين وجود كل شيء عندما خلقه. وعندما صنع الله كل شيء حرص على أن يكون نافعًا للبشرية، وتحكّم به أيضًا لكيلا يتسبب في اضطراب أو كوارث للبشر. ولولا تدبير الله، ألم تكن المياه لتتدفق بلا ضابط؟ ألم تكن الريح لتعصف بلا هوادة؟ هل تتبع المياه والرياح قوانين؟ لولا تدبير الله لها لما خضعت لأية قوانين، ولزمجرت الرياح وارتفعت مناسيب المياه وتسببت في فيضانات. لو أن الموجة كانت أعلى من الجبل، هل كان البحر سيتمكن من الوجود؟ ما كان سيوجد. ولو لم يكن الجبل بارتفاع الموجة لما وُجد البحر ولفقد الجبل قيمته وأهميته.

هل ترون حكمة الله في هاتين القصتين؟ خلق الله كل ما هو موجود، وهو يسود على كل ما هو موجود، وهو يدبر كل ما يوجد ويعول كل ما يوجد، وفي جميع الأشياء، يرى ويفحص كل كلمة وعمل لكل ما هو موجود. كما يرى ويفحص كل ركن من أركان الحياة الإنسانية. هكذا يعرف الله عن قرب كل تفصيلة عن كل شيء موجود داخل خليقته، ومن وظيفة كل شيء وطبيعته وقوانين بقائه حتى أهمية حياته وقيمة وجوده، كلها معروفة له بكليتها. خلق الله الكون: هل تظنون أنه كان عليه أن يدرس هذه القوانين التي تحكم الكون؟ هل يحتاج الله إلى دراسة المعرفة أو العلوم الإنسانية ليتعلم عنها ويفهمها؟ (كلا). هل ثمة أحد بين البشر يملك العلم والمعرفة الواسعة ليفهم كل الأمور كما يفهمها الله؟ لا يوجد، أليس كذلك؟ هل يوجد أي علماء فلك أو أحياء يفهمون حقًا القوانين التي تعيش بموجبها جميع الأشياء وتنمو؟ هل باستطاعتهم فعلًا فهم قيمة وجود كل شيء من الأشياء؟ (كلا، لا يستطيعون). ذلك لأن الله خلق جميع الأشياء، ومهما كان عدد وعمق الدراسات التي أجرتها البشرية على هذه المعرفة، أو المدة التي استغرقتها في السعي إلى تعلُّمها، فلن تكون قادرة على سبر أغوار السر والغاية من خلق الله لكل الأشياء. أليس ذلك صحيحًا؟ من مناقشتنا حتى الآن، هل تشعرون أنكم توصلتم إلى فهم جزئي للمعنى الحقيقي لعبارة: "الله هو مصدر الحياة لجميع الأشياء؟" (أجل). علمتُ أنه عندما ناقشتُ هذا الموضوع – أي موضوع "الله مصدر الحياة لجميع الأشياء" – سارع كثير من الناس على الفور إلى التفكير في عبارة أخرى وهي: "الله هو الحق وأنه يستعمل كلمته ليعولنا"، ولم يفكروا فيما هو أبعد من ذلك المستوى في معنى الموضوع، حتى إن البعض شعر بأن عناية الله بالحياة البشرية يوميًا بالغذاء والشراب وكافة الضروريات اليومية لا يمثل رعاية للإنسان. ألا يشعر بعض الناس بهذه الطريقة؟ ومع ذلك، أليس مقصد الله من خليقته واضحًا، وهو أن توجد البشرية وتعيش بصورة اعتيادية؟ فالله يحفظ البيئة التي يعيش الناس فيها، ويزود هذه البشرية بكل الأشياء التي تحتاج إليها للبقاء. أضف إلى ذلك أنه يدبّر كل الأشياء ويملك السيادة عليها. ويتيح هذا كله للبشر أن يعيشوا ويزدهروا ويتكاثروا بشكل طبيعي. هذه هي الطريقة التي يعول الله بها البشر والخليقة بأسرها. أليس صحيحًا أن الناس يحتاجون إلى معرفة هذه الأشياء وفهمها؟ لعل البعض يقول: "هذا الموضوع هو أبعد ما يكون عن معرفتنا بالإله الحق ذاته، ونحن لا نريد أن نعرف هذا؛ لأننا لا نحيا بالخبز وحده، بل نحيا بكلمة الله". فهل هذا الفهم صحيح؟ (كلا). لماذا هو فهم خاطئ؟ هل يمكنكم أن تحققوا الفهم التام لله إن عرفتم فقط الأمور التي قالها الله؟ إن لم تقبلوا سوى عمله ودينونته وتوبيخه، فهل تستطيعون أن تفهموا الله فهمًا كاملًا؟ إن عرفتم فقط جزءًا صغيرًا من شخصية الله، وجانبًا صغيرًا من سلطان الله، فهل ترى أن ذلك يكفي لتحقيق فهم لله؟ (كلا). تبدأ أعمال الله بخلقه لكل الأشياء، وهي مستمرة اليوم؛ حيث أعماله جليّة في كل وقت، وكل لحظة. إن اعتقد المرء أن الله موجود لمجرد أنه اختار بعض الأشخاص لتنفيذ عمله فيهم ولكي يخلّصهم، وأن الأمور الأخرى ليست لها علاقة بالله ولا بسلطانه أو مكانته أو أعماله، فهل يمكن اعتبار أن ذلك المرء يعرف الله معرفة حقيقية؟ الناس الذين يملكون ما يزعمون أنه "معرفة الله" ليس لديهم سوى فهم أحادي الجانب، ووفقًا لهذا الفهم يحدّون عمل الله بمجموعة واحدة من الناس، فهل هذه معرفة حقيقية بالله؟ أليس الأشخاص الذين يحملون هذا النوع من المعرفة ينكرون خلق الله لكل الأشياء وسيادته عليها؟ بعض الناس لا يرغبون في الانشغال بهذه النقطة، بل يفكرون في أنفسهم قائلين: "أنا لم أرَ سيادة الله على كل الأشياء، فهذا أمر بعيد تمامًا عني، وأنا لا أريد أن أفهمه. إن الله يفعل ما يشاء، وهذا لا شأن له بي. إنما أنا أقبل قيادة الله وكلمته، بحيث أنال الخلاص والكمال من الله. لا يهمني سوى هذه الأمور. لا يهمني أي أمر آخر. لا علاقة لي بالقوانين التي وضعها الله عندما خلق جميع الأشياء، أو ما يفعله ليعول جميع الأشياء والبشر". ما هذا النوع من الأحاديث؟ أليس هذا تمردًا؟ هل ثمّةَ أحدٌ بينكم يتبنى مثل هذا الفهم؟ أنا أعلم أن هناك أغلبية عظمى يفكرون بالفعل بهذه الطريقة حتى إن لم تقولوا ذلك. ومثل هذا النوع من الأشخاص الملتزمين بالقوانين ينظرون إلى كل شيء من منظورهم "الروحي" الخاص. إنهم يريدون أن يحدّوا الله بالكتاب المقدس، ويحدّوه بالكلمات التي نطق بها، ويقيدوه بالمعنى المشتق من الكلمة الحرفية المكتوبة. إنهم لا يرغبون في معرفة أكبر عن الله، ولا يريدون أن يشتت الله انتباهه بفعل أمور أخرى. هذا النوع من التفكير طفولي ومفرط في التديّن. هل بإمكان الأشخاص الذين يحملون هذه الآراء أن يعرفوا الله؟ سيكون من الصعب عليهم معرفة الله. رويت اليوم هاتين القصتين، وقد تناولت كل قصة منهما جانبًا مختلفًا. والآن بعد أن تعرفتم عليهما، فقد تشعرون أنهما تتصفان بالعمق، أو بشيء من التجريد، ومن الصعب استيعابهما وفهمهما. لعله من الصعب ربطهما بأعمال الله وبالله نفسه. لكن جميع أعمال الله وكل ما فعله في الخليقة وبين البشر يجب أن يكون معلومًا بوضوح ودقة لكل شخص ولكل مَن يسعى إلى معرفة الله، وسوف تعطيك هذه المعرفة ثقة في إيمانك بوجود الله الحقيقي. وستمنحك أيضًا معرفة دقيقة بحكمة الله وقوّته، وبالطريقة التي يعول بها الأشياء جميعًا. ستسمح لك بتكوين تصور واضح لوجود الله الحقيقي ورؤية أنه ليس خياليًا وليس خرافة، وليس غموضًا وليس نظرية، وبالتأكيد ليس مجرد تعزية روحية، بل هو وجود حقيقي. أضف إلى ذلك أنه سيسمح للناس بمعرفة أن الله اعتنى دومًا بكل الخليقة والبشرية؛ والله يفعل هذا بطريقته ووفق إيقاعه. لذلك، لأن الله قد خلق جميع الأشياء ومنحها قوانين يمكن لكل شيء منها – بحسب سبق تعيين الله – أن ينفذ مهامه المحددة له، ويتولى القيام بمسؤولياته، ويؤدي الأدوار المَنوطة به. وفي ظل سبق تعيين الله، لكل شيء استخدامه في خدمة البشرية، وفي الحيز والبيئة التي يعيش البشر فيها. لو لم يفعل الله هذا، ولم يكن للإنسان بيئة مثل هذه يعيش فيها، لما كان إيمان الناس بالله أو اتباعهم إياه ممكنًا، بل ولكان قد أفضى إلى مجرد حديث فارغ، أليس هذا صحيحًا؟

لِنُلْقِ نظرةً أخرى على قصة الجبل العظيم والجدول الصغير. ما هي وظيفة الجبل؟ تزدهر الكائنات الحية على الجبل بحيث يكون لوجودها قيمة متأصلة، ويعرقل الجبل طريق الجدول الصغير مانعًا إياه من التدفق حيثما شاء، مسببًا كوارث للناس. أليس هذا هو الوضع؟ يوجد الجبل في هيئته الخاصة، مما يسمح لعدد ضخم من الكائنات الحية التي تعيش فوقه – كالأشجار والأعشاب وجميع النباتات الأخرى والحيوانات على الجبل - بالازدهار. كما أنه يوجِّه مسار تدفق الجدول الصغير؛ فالجبل يجمع مياه الجدول ويوجهها بصورة طبيعية حول سفحه حيث تتدفق إلى أن تصب في النهر وأخيرًا في البحر. لم تحدث القوانين بصورة طبيعية، بل وضعها الله في موضعها خصيصًا في زمن الخلق. أما بالنسبة إلى الجبل العظيم والريح العاتية، فإن الجبل أيضًا يحتاج إلى الرياح؛ فهو يحتاج إليها لملاطفة الكائنات الحية التي تعيش فوقه، وفي الوقت نفسه فإنه يحد من شدة هبوب الريح العاتية لكيلا تهب بوحشية. يمثل هذا القانون – بشكل ما – واجب الجبل العظيم، إذًا، هل تشكَّل هذا القانون المتعلق بواجب الجبل من تلقاء نفسه؟ (كلا). إنه من صنع الله. للجبل العظيم واجبه، وللريح العاتية واجبها كذلك. لننظر الآن إلى الجبل العظيم والموجة الهائلة. لولا وجود الجبل، هل كانت المياه لتجد اتجاه جريانها بنفسها؟ (كلا). إن من شأن المياه أن تفيض. للجبل قيمة وجوده الخاصة كجبل، وللبحر قيمة وجوده الذاتية كبحر. لكن، وفي ظل هذه الظروف التي يمكنهما فيها الوجود معًا بصورة طبيعية ولا يتداخل أحدهما مع الآخر، يقيد كلٌّ منهما الآخر أيضًا؛ فالجبل يقيد البحر لكيلا يفيض، وبذلك يوفر الحماية لبيوت الناس، ويسمح كذلك للبحر بأن يرعى الكائنات الحية التي تسكن فيه. هل تكوّن هذا المشهد من تلقاء نفسه يا تُرى؟ (كلا). لقد خلقه الله أيضًا. نرى من هذه الصورة أنه عندما خلق الله الكون حدد مسبقًا موقع وجود الجبل، ومكان جريان الجدول، وجهة هبوب الريح العاتية وإلى أين تتجه، وكذلك مقدار ارتفاع الأمواج العاتية. تكمن مقاصد الله وغايته ضمن هذه الأشياء جميعًا، وهي أعماله. والآن، هل بإمكانكم أن تروا أن أعمال الله حاضرة في الأشياء جميعًا؟ (أجل).

ما هي الغاية من مناقشتنا لهذه الأمور؟ هل هي لكي يستطيع الناس البحث في القوانين الكامنة وراء خلق الله كل الأشياء؟ هل الغاية هي أن تثير اهتمام الناس بعلم الفلك وعلم الجغرافيا؟ (كلا). إذًا، ما هي؟ إنها تهدف لأن يفهم الناس أعمال الله؛ ففي أعمال الله يستطيع الناس التأكد والتحقق من أن الله هو مصدر الحياة لجميع الأشياء. إن كنتَ قادرًا على فهم هذا، عندئذ ستكون قادرًا حقًا على تأكيد مكان الله في قلبك، وعلى إثبات أن الله هو الله ذاته الفريد، خالق السماوات والأرض وجميع الأشياء. إذًا، هل من المفيد لفهمك عن الله أن تعرف قوانين كل الأشياء وأن تعرف أعمال الله؟ (أجل). ما مدى فائدته؟ أولًا، عندما تكون قد فهمت أعمال الله هذه، هل ستظل تهتم بعلم الفلك والجغرافيا؟ هل سيكون لك قلب مرتاب وتشك في أن الله هو خالق جميع الأشياء؟ هل سيظل قلبك قلب باحث وترتاب في أن الله خالق جميع الأشياء؟ (كلا). عندما تكون قد تأكدت من أن الله هو خالق الكون وفهمت بعض قوانين خلقه، فهل ستؤمن حقًا في قلبك أن الله يعول جميع الأشياء؟ (أجل). هل لكلمة "يعول" هنا معنى معين، أم أن استخدامها يشير إلى ظرف خاص؟ عبارة "الله يعول كل الأشياء" لها معنى وحيز واسعان جدًا. إذ إن الله لا يزود الناس فقط باحتياجاتهم اليومية من الطعام والشراب، بل إنه يمدّ البشر بكل شيء يحتاجون إليه، بما في ذلك كل شيء يراه الناس والأشياء وكذلك الأشياء التي لا يمكنهم رؤيتها. إن الله يحفظ ويدبّر ويحكم البيئة المعيشية الضرورية للبشر. بمعنى أيَّما كانت البيئة التي يحتاج إليها البشر لكل سبب فقد أعدّها الله. الله يدبر أيضًا نوعية الهواء ودرجة الحرارة حتى تكونا ملائمتين للبقاء الإنساني. إن القوانين التي تحكم هذه الأشياء لا تحدث من تلقاء نفسها أو على نحو عشوائي، بل هي نتيجة سيادة الله وأعماله. فالله نفسه هو مصدر جميع هذه القوانين، وهو مصدر الحياة لكل الأشياء. هذه حقيقة راسخة ومسلَّمٌ بها سواء كنتَ تؤمن بها أم لا، وسواء كان بإمكانك رؤيتها أم لا، أو كان بوسعك أن تفهمها أم لا.

أعلمُ أن الغالبية العظمى من الناس لا يؤمنون إلا بما قاله الله وفعله ومدون في الكتاب المقدس، وأن الله أعلن أعماله لقلة ضئيلة من الأشخاص وسمح للناس بأن يروا قيمة وجوده. كما سمح لهم بأن يحظوا ببعض الفهم لمكانته، وأكد حقيقة وجوده. لكن كثيرًا من الناس يرون أن حقيقة أن الله خلق كل الأشياء وأنه يدبر جميع الأشياء ويعولها تبدو مبهمة أو غير محددة. مثل هؤلاء الناس يتبنون موقف الارتياب. ومثل هذا النوع من المواقف يجعل الناس يعتقدون باستمرار أن قوانين العالم الطبيعي تشكَّلت من تلقاء نفسها، وأن التغيرات والتحولات والظواهر في الطبيعة، والقوانين التي تحكمها، نشأت من الطبيعة نفسها. إن الناس لا يمكنهم أن يدركوا في قلوبهم كيف خلق الله كل الأشياء وكيف يحكمها، ولا يستطيعون فهم كيف يدبر الله ويعول كل الأشياء. وفي ظل محدودية هذه الفرضية لا يؤمن الناس بأن الله خلق كل الأشياء وبأنه يسود عليها ويعولها، وحتى الذين يؤمنون هم مقيدون في إيمانهم بعصر الناموس وعصر النعمة وعصر الملكوت؛ فهم يؤمنون أن أعمال الله وإعالته للبشرية مقصورة على شعبه المختار فحسب. هذا أمر في الواقع أكره أن أراه، وهو يسبب كثيرًا جدًا من الألم؛ لأنه كما يتمتع البشر بكل ما يأتي به الله، فإنهم في الوقت نفسه ينكرون ما يفعله وكل ما يعطيه إياهم. لا يؤمن الناس إلاّ بأن السماوات والأرض وسائر الأشياء محكومة بقواعدها وقوانينها الطبيعية للبقاء، وأنها بدون أي حاكم يدبرها أو يسود عليها ليعولها ويحفظها. وحتى إن آمنتَ بالله فقد لا تؤمن بأن هذه كلها هي أعماله. في الواقع، هذا أحد أكثر الأمور إغفالًا من جانب كل مؤمن بالله، وكل من يقبل كلمة الله وكل من يتبعه. لذلك فحالما أشرع في مناقشة أمر لا صلة له بالكتاب المقدس أو ما يسمى بالمصطلحات الروحية، يصاب بعض الناس بالملل أو الضجر أو حتى بعدم الارتياح. ويشعرون بأنه لا علاقة له بالأشخاص الروحانيين والأشياء الروحية. ذلك أمر فظيع. عندما يتعلق الأمر بمعرفة أعمال الله، حتى وإن لم نذكر علم الفلك، أو نبحث في علم الجغرافيا أو علم الأحياء، لكن لا بُد أن نفهم سيادة الله على جميع الأشياء، ونعرف عنايته بكل الأشياء، وأنه مصدر جميع الأشياء. هذا درس مهم ولا بد من دراسته واستيعابه. أعتقد أنكم فهمتم كلماتي.

في القصتين اللتين رويتهما، حتى وإن كان محتواهما غير معتاد وتمت روايتهما والتعبير عنهما كما هما بأسلوب خاص إلى حد ما، حاولت أن أستخدم لغة واضحة وأسلوبًا بسيطًا لكي أساعدكم أن تستوعبوا وتتقبلوا أمرًا أكثر عمقًا. كان هذا هدفي الوحيد. أردتكم من خلال هذه القصص والمشاهد الصغيرة التي تصورها أن تروا وتؤمنوا أن الله هو سيد كل الخليقة. الغرض من سرد هاتين القصتين هو إتاحة الفرصة لكم لتروا وتعرفوا أعمال الله غير المحدودة ضمن الحدود المحدودة لقصة ما. وفيما يتعلق بالوقت الذي ستتوصلون فيه إلى هذه النتيجة وتحققونها في داخلكم فيعتمد على خبراتكم الخاصة والمسعى الفردي لكل منكم. إن كنت شخصًا تسعى وراء الحق وتطلب معرفة الله، فإن هذه الأمور ستكون بمثابة ذكرى ثابتة وقوية لك، وسوف تسمح لكم بالتمتع بوعي عميق، وبوضوح في فهمكم، والذي سيقترب تدريجيًا من أعمال الله الفعلية، مع قرب لا بُعدَ فيه ولا ضلال. أما إذا لم تكن شخصًا تسعى إلى معرفة الله، فإن هاتين القصتين التي استمعتم إليهما لا يمكنهما أن يتسببا في أي أذى لكم. فقط اعتبروهما قصتين حقيقيتين.

هل فهمتم أي شيء من هاتين القصتين؟ أولًا، هل هاتان القصتان منفصلتان عن مناقشتنا السالفة حول اهتمام الله بالبشرية؟ هل ثمة صلة حتمية؟ هل حقًا أننا نرى ضمن هاتين القصتين أعمال الله والاعتناء الكامل الذي يوليه لكل شيء في خططه لأجل البشرية؟ هل حقًا أن كل شيء يفعله الله ويفكر فيه موجه نحو وجود البشرية؟ (أجل). أليس فكر الله واهتمامه الحريصان للبشر واضحين جدًا؟ ليس على البشر أن يفعلوا شيئًا؛ فقد أعد الله للناس الهواء، وكل ما عليهم هو أن يتنفسوه. الخضروات والثمار التي يأكلونها متوافرة لهم بسهولة. فمن الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، لكل منطقة مواردها الطبيعية الخاصة بها؛ فقد أعد الله محاصيل إقليمية مختلفة وثمارها وخضرواتها. وفي البيئة الأوسع، جعل الله الأمور جميعًا تعزِّز بعضها بعضًا، وتعتمد على بعضها بعضًا، وتقوِّي بعضها بعضًا، وتواجه بعضها بعضًا وتتعايش معًا. وهذا أسلوبه وقانونه للحفاظ على بقاء جميع الأشياء ووجودها، وبهذه الطريقة استطاعت البشرية أن تنمو في هدوء وسلام في هذه البيئة المعيشية، وأن تتكاثر من جيل إلى جيل، حتى يومنا الحاضر. وبعبارة أخرى، يجعل الله البيئة الطبيعية متوازنة. لو لم يَسُد الله ويسيطر، لما استطاع إنسان حفظ البيئة وإحلال التوازن فيها، حتى مع كونها من خلق الله. في بعض الأماكن لا يوجد هواء، ولا يستطيع البشر البقاء في مثل هذه الأماكن، ولن يسمح لك الله بالذهاب إلى هناك. لذا لا تذهب إلى ما هو أبعد من الحدود المناسبة. وهذا من أجل حماية البشر، حيث توجد أمور غامضة فيها. فكل ركن من أركان البيئة، وطول الأرض وعرضها، وكل كائن حي على الأرض – الأحياء منهم والأموات على السواء – هو من تصور وإعداد الله المسبقين. لماذا هناك حاجة إلى هذا الشيء؟ لماذا ذلك الشيء غير ضروري؟ ما هي الغاية من كون هذا الشيء هنا، ولماذا يجب أن يكون ذلك الشيء هناك؟ لقد فكّر الله بكل هذا مليًّا، ولا حاجة لأن يفكر الناس به. ثمّةَ بعض الناس الحمقى الذين يفكرون دائمًا بتحريك الجبال، ولكن بدلًا من ذلك لماذا لا ينتقلون إلى السهول؟ إن كانت الجبال لا تروقك، فلماذا تعيش بجوارها؟ أليست هذه حماقة؟ ماذا يحدث إن حركت ذلك الجبل؟ سوف تهب أعاصير وموجات ضخمة فتدمر بيوت الناس. أليس ذلك عملًا أحمق؟ بوسع الناس أن يدمروا فحسب. ليس بوسعهم حتى أن يحافظوا على المكان الوحيد الذي يجب عليهم أن يعيشوا فيه، ومع ذلك يريدون أن يعتنوا بكل الأشياء. هذا أمر مستحيل.

يسمح الله للإنسان بإدارة كل الأشياء وممارسة السيادة عليها، ولكن هل يقوم الإنسان بعمل جيد؟ يدمر الإنسان كل ما يستطيع تدميره، ويعجز ببساطة عن الحفاظ على الأشياء كما خلقها الله له في حالتها الأصلية، بل تصرف على العكس من ذلك ودمر خليقة الله. لقد نقل البشر الجبال، واستصلحوا يابسة من البحار، وحولوا السهول إلى صحاري لا يمكن لأحد أن يعيش فيها. ومع ذلك فهناك في الصحراء أنشأ الإنسان صناعات وبنى قواعد نووية مما جعل الدمار يستشري في كل الجهات. لم تعد الأنهار أنهارًا، ولا البحر بقي بحرًا... ما إن أخلَّ البشر بالتوازن في البيئة الطبيعية وقوانينها، أصبح يوم حلول الكارثة بهم وموتهم غير بعيد، بل غدا أمرًا حتميًا. وعندما تحل الكارثة سيعرف البشر القيمة النفيسة لكل شيء خلقه الله لهم ومدى أهميته للبشرية بأسرها. إن عيش الإنسان في بيئة يأتي فيها المطر والرياح في حينها يشبه الحياة في الفردوس. لا يدرك الناس أن هذه بركة، ولكنهم في اللحظة التي يفقدونها جميعًا، سيرون كم أنها كلها نادرة ونفيسة. وما إن تزول، كيف يمكن للمرء استعادتها؟ ماذا بإمكان الناس أن يفعلوا إن كان الله غير راغب في خلقها من جديد؟ هل يوجد ما يمكنكم فعله؟ (لا يمكننا فعل أي شيء). في الواقع ثمة شيء يمكنكم فعله، وهو بسيط جدًا، وعندما أخبركم ما هو ستعرفون على الفور أنه قابل للتحقيق. كيف وجد الإنسان نفسه في حالة وجوده الحالية؟ هل هو بسبب جشع الإنسان وتخريبه؟ إنْ أنهى الإنسان هذا الدمار ألا تُحسِّن بيئته المعيشية نفسها تدريجيًا؟ وإذا لم يفعل الله شيئًا ولم يعد يرغب في فعل أي شيء للبشرية – أي إنه لا يتدخل في الأمر – فإن الحل الأمثل للبشر هو وقف الدمار والسماح لبيئتهم المعيشية بأن تعود إلى حالتها الطبيعية. إنّ وضْعَ حدٍّ لجميع أعمال الدمار يعني التوقف عن سلب الأشياء التي خلقها الله وتخريبها، وسوف يسمح فعل ذلك بتحسن البيئة التي يعيش فيها الإنسان تدريجيًا. أما الإخفاق في ذلك فسوف يفضي إلى بيئة حياتية أكثر قبحًا تتعرض إلى الدمار السريع مع مرور الوقت. هل الحل الذي أقدمه بسيط؟ إنه بسيط وعملي، صحيح؟ بسيط بالفعل، وهو عملي لبعض الناس، ولكن هل هذا عمليٌّ بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الناس على وجه البسيطة؟ (ليس كذلك). وبالنسبة إليكم، على أقل تقدير، هل هو عملي؟ (أجل). مِمَّ ينبع قولكم "أجل"؟ هل يمكن القول إنه يأتي من أساس لفهم أعمال الله؟ هل بالإمكان القول إن شرطه هو طاعة سيادة الله وخطته؟ (أجل). ثمة طريقة لتغيير الأمور، ولكن ذلك ليس هو الموضوع الذي نناقشه الآن. إن الله مسؤول عن حياة كل إنسان وهو مسؤول حتى النهاية؛ فالله يعتني بك، وحتى إن مرضت بسبب البيئة التي دمرها الشيطان، أو تأذّيت بالتلوّث، أو تعرضت لانتهاك، فلا يهم ذلك؛ فالله سيعتني بك وسوف يدعك تستمر في العيش. هل تؤمنون بهذا؟ (أجل). إن الله لا يسمح بموت إنسان بسهولة.

هل توصلتم إلى الشعور بأهمية معرفة الله بوصفه مصدر الحياة لجميع الأشياء؟ (أجل، شعرنا بذلك). ما هي المشاعر التي تحسون بها؟ أخبروني. (في الماضي، لم يخطر ببالنا الربط بين الجبال والبحار والبحيرات وأعمال الله. لم نفهم أن هذه الأشياء تتضمن أعمال الله وحكمته في داخلها حتى استمعنا إلى الشركة التي قدمها الله. نرى أنه حتى عندما بدأ الله خلق جميع الأشياء كانت تنطوي جميعًا على مصير وعلى إرادة الله الخيّرة، وجميع الأشياء تعزز بعضها بعضًا وتعتمد على بعضها بعضًا، والبشر هم المستفيد النهائي. ما سمعناه اليوم يتّسم بالجدّة والحداثة، وقد أحسسنا بمدى واقعية أعمال الله. في الواقع وفي حياتنا اليومية وفي مواجهتنا مع جميع الأشياء نشاهد حقًا أن الأمر هو هكذا). لقد شاهدتموها حقًا، أليس كذلك؟ إن عناية الله بالإنسان ليست بدون أساس سليم، فعنايته ليست بضع كلمات قصيرة وحسب. لقد فعل الله الكثير جدًا، وحتى الأشياء التي لا تراها هي جميعًا لمنفعتك. يعيش الإنسان في هذه البيئة، وسط كل تلك الأشياء التي خلقها الله له، حيث يعتمد الناس وجميع الأشياء بعضها على بعض. على سبيل المثال، تطلق النباتات غازات تنقّي الهواء ويتنفس الناس الهواء النقي ويستفيدون منه. لكن بعض النباتات سامّة للناس، غير أن هناك نباتات أخرى تُبطل مفعول النباتات السامة. هذه إحدى الأعاجيب في خليقة الله! لكن دعونا نترك هذا الموضوع الآن؛ فاليوم، ناقشنا بشكل رئيسي التعايش بين الإنسان وبقية الخليقة، والتي بدونها لا يمكن للإنسان العيش. ما أهمية خلق الله لجميع الأشياء؟ إذ لا يستطيع الإنسان العيش بدون بقية الأشياء؛ مثل فكرة أن الإنسان يحتاج إلى الهواء ليعيش، وكيف أنك لو وُضعتَ في فراغ بلا هواء فإنك ستموت في الحال. هذا مبدأ بسيط يوضح أنه لا يمكن للإنسان الوجود بمعزل عن بقية الخليقة. إذًا، أي نوع من المواقف ينبغي أن يتخذها الإنسان نحو الأشياء جميعًا؟ أن يثمّنها ويحميها ويستخدمها بكفاءة، ولا يدمرها ولا يبددها ولا يغيرها حسب هواه؛ لأن جميع الأشياء هي من الله، وهي جميعًا لرعاية البشر. وعلى البشر التعامل معها بضمير حي. ناقشنا اليوم هذين الموضوعين، تفكَّروا فيهما بعناية وتأملوهما مليًّا. في المرة القادمة سوف نناقش بعض الأمور بمزيد من التفصيل. بهذا تنتهي شركتنا لهذا اليوم. إلى اللقاء. (إلى اللقاء).

18 يناير/كانون الثاني 2014

السابق: عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (ب)

التالي: الله ذاته، الفريد (ح)

كيف يمكن لنا نحن المسيحيون أن نتحرَّر من رباطات الخطية ونتطهَّر؟ لا تتردد في الاتصال بنا لتجد الطريق.
تواصل معنا عبر واتساب
تواصل معنا عبر ماسنجر

محتوى ذو صلة

بخصوص الألقاب والهوية

إن أردتَ أن تكون مؤهلاً ليستخدمك الله، ينبغي أن تعرف عمله؛ وينبغي أن تعرف العمل الذي قام به في السابق (في العهدين القديم والجديد)، وأيضًا،...

من المهم جدًا فهم شخصية الله

توجد العديد من الأشياء التي آمل أن تتمموها. ومع ذلك، فإن أفعالكم وكل حياتكم غير قادرة على تلبية مطالبي بالكامل، لذلك ليس أمامي خيار سوى أن...

كيفية معرفة الحقيقة

الله هو إله عملي: كل عمله عملي، وكل الكلمات التي ينطق بها عملية، وكل الحقائق التي يعبِّر عنها عملية. كل كلمات غير كلماته إنما هي كلمات...

إعدادات

  • نص
  • مواضيع

ألوان ثابتة

مواضيع

الخط

حجم الخط

المسافة بين الأسطر

المسافة بين الأسطر

عرض الصفحة

المحتويات

بحث

  • ابحث في هذا النص
  • ابحث في هذا الكتاب