نرحب باتصال جميع الباحثين عن الحق .

الحمل فتح السفر

ألوان ثابتة

مواضيع

الخط

حجم الخط

مساحة الخط

عرض الصفحة

0 نتيجة (نتائج ) البحث

لا توجد نتائج

`

عمل الله، وشخصيّة الله، والله نفسه (الجزء الثاني)

شاركنا خلال اجتماعنا الأخير موضوعًا مهمًّا للغاية. هل تتذكّرونه؟ دعوني أكرّره. كان موضوع خدمتنا الأخيرة: عمل الله، وشخصيّة الله، والله نفسه. هل هذا موضوعٌ مهمّ لكم؟ أي جزءٍ منه هو الأكثر أهمّيّةٍ لكم؟ عمل الله أم شخصيّة الله أم الله نفسه؟ أي جزءٍ يهمّكم أكثر؟ أي جزءٍ ترغبون في معرفة المزيد عنه؟ أعلم أنه من الصعب عليكم الإجابة عن ذلك السؤال، لأن شخصيّة الله يمكن رؤيتها في كل جانبٍ من جوانب عمله، ولأن شخصيّته منكشفةٌ في عمله دائمًا وفي جميع الأماكن، وبالتالي فإنها تُمثّل الله نفسه. في خطّة التدبير الشاملة لدى الله، لا يمكن الفصل بين عمل الله، وشخصيّة الله، والله نفسه.

كان محتوى خدمتنا الأخيرة حول عمل الله رواياتٌ من الكتاب المُقدّس حدثت منذ زمنٍ طويل. كانت كلها قصصٌ عن الإنسان والله، وقد حدثت للإنسان وفي الوقت نفسه تضمّنت مشاركة الله وتعبيره، ولذلك فإن هذه القصص تحمل قيمة ومغزى خاصين لمعرفة الله. بعد أن خلق الله البشر بدأ المشاركة مع الإنسان والتحدّث إليه، وبدأت شخصيّته تُعبّر عن نفسها للإنسان. وهذا يعني أنه منذ تشارك الله لأول مرةٍ مع البشر بدأ يُعلِن للإنسان، دون توقّفٍ، جوهره وطبيعته. وبغضّ النظر عمّا إذا كان الناس في الماضي أو في الوقت الحاليّ بإمكانهم رؤية ذلك أو فهمه، فإن الله باختصارٍ يتحدّث إلى الإنسان ويعمل بين البشر، ويكشف عن شخصيّته ويُعبّر عن جوهره، وهذه حقيقةٌ لا يمكن لأحدٍ إنكارها. هذا يعني أيضًا أن شخصيّة الله وجوهره وطبيعته تنبع وتنكشف باستمرارٍ فيما يعمل ويتشارك مع الإنسان. لم يُخفِ أو يُخبّيء أيّ شيءٍ عن الإنسان، بل يُعلِن ويكشف عن شخصيّته دون الاحتفاظ بأيّ شيءٍ. وهكذا، يأمل الله أن يتمكّن الإنسان من معرفته وفهم شخصيّته وجوهره. إنه لا يأمل في أن يتعامل الإنسان مع شخصيّته وجوهره كأسرارٍ أبديّة، ولا يريد أن ينظر البشر إلى الله على أنه لغزٌ لا يمكن حلّه أبدًا. عندما يعرف الإنسان الله، يمكنه أن يعرف الطريق ويقبل إرشاد الله، وبذلك يمكنه أن يحيا حقًّا في ظلّ سلطان الله، ويحيا في النور، ويحيا في ظلّ بركات الله.

الكلمات والشخصيّة التي تصدر عن الله ويكشف عنها تُمثّل إرادته، كما أنها تُمثّل جوهره. عندما يتعامل الله مع الإنسان، بغضّ النظر عما يقوله أو يعمله، أو الشخصيّة التي يكشفها، وبغضّ النظر عما يراه الإنسان من جوهر الله وطبيعته، فإنها جميعًا تُمثّل إرادة الله للإنسان. بغضّ النظر عن مدى قدرة الإنسان على الإدراك أو الاستيعاب أو الفهم، فإن هذا كله يُمثّل إرادة الله: إرادة الله للإنسان. هذا لا شكّ فيه! إرادة الله للإنسان هي الكيفيّة التي يطلب من الناس أن يكونوا عليها وأن يعيشوا وأن يكونوا قادرين على تحقيق إرادة الله. هل هذه الأشياء لا تنفصل عن جوهر الله؟ هذا يعني أن الله يُصدِر شخصيّته وكل ما يرتبط بطبيعته وفي الوقت نفسه يتوقّع من الإنسان ردود الفعل. لا يوجد زيفٌ ولا ادّعاء ولا إخفاء ولا تجميل. ولكن لماذا يعجز الإنسان عن المعرفة، ولماذا لم يتمكّن قط من إدراك شخصيّة الله بوضوحٍ؟ ولماذا لم يُدرِك قط إرادة الله؟ إن ما يكشفه الله ويُصدِره هو طبيعة الله نفسه، وهو كل جانبٍ وملمح من شخصيّته الحقيقيّة، فلماذا لا يفهم الإنسان؟ لماذا يعجز الإنسان عن المعرفة العميقة؟ هناك سببٌ مهمّ لهذا. ما هو هذا السبب؟ منذ زمن الخلق، لم يعامل الإنسان الله قط باعتباره الله. في الأزمنة القديمة، بغضّ النظر عمّا فعله الله فيما يتعلّق بالإنسان، أي الإنسان الذي خُلِقَ للتوّ، لم يكن الإنسان يتعامل مع الله أكثر من كونه رفيق، أي شخص يجب الاعتماد عليه، ولم تكن لديه معرفةٌ أو فهم لله. وهذا يعني أن الإنسان لم يكن يعلم أن ما كان يصدر عن هذا الكائن- هذا الكائن الذي اعتمد عليه واعتبره رفيقًا له- كان هو جوهر الله، ولم يكن يعلم أن هذا الكائن هو الذي كان يسود على جميع الأشياء. ببساطةٍ، لم يكن الناس في ذلك الوقت يعرفون الله على الإطلاق. لم يعلموا أنه صنع السماء والأرض وجميع الأشياء، وكانوا يجهلون من أين جاء، وعلاوة على ذلك، كانوا يجهلون طبيعته. بالطبع، لم يطلب الله من الإنسان في ذلك الوقت أن يعرفه أو يفهمه أو يفهم كل ما كان يفعله، أو أن يكون على علمٍ بإرادته، لأن هذه كانت أقدم الأزمنة التي تلت خلق الإنسان. عندما بدأ الله إعدادت عهد الناموس، عمل بعض الأشياء للإنسان وبدأ أيضًا يطلب منه بعض الأمور، حيث أخبره عن كيفيّة تقديم القرابين وعبادة الله. وفي ذلك الوقت فقط اكتسب الإنسان بعض الأفكار البسيطة عن الله، ثم عرف الفرق بينه وبين الله، وأن الله هو الذي خلق البشر. عندما عرف الإنسان الله على طبيعته ونفسه على طبيعتها، أصبحت هناك مسافةٌ مُعيّنة بينه وبين الله، ومع ذلك لم يطلب الله من الإنسان أن تكون لديه معرفةٌ كبيرة أو فهم عميق له. وهكذا، يطالب الله الإنسان بأمورٍ مختلفة على أساس مراحل وظروف عمله. ماذا ترون في هذا؟ أيّ جانبٍ من جوانب شخصيّة الله تُدرِكونه؟ هل الله حقيقيٌّ؟ هل مطالب الله من الإنسان ملائمة؟ خلال الأزمنة الأولى التي أعقبت خلق الله للبشريّة، عندما كان الله لا يزال يُجري عمل إخضاع الإنسان وإكماله، لم يكن يتحدّث إليه بالكثير من الكلمات إذ كان يطلب القليل من الإنسان. بغضّ النظر عمّا فعله الإنسان وكيف تصرّف- حتّى لو كان قد فعل بعض الأشياء التي أساءت لله- كان الله يغفر كل شيءٍ ويتغاضى عن كل شيءٍ. كان الله يعرف كل ما أعطاه للإنسان وكل ما لدى الإنسان، وبالتالي كان يعرف معيار المتطلّبات من الإنسان. على الرغم من أن مستوى متطلّباته كان منخفضًا جدًا في ذلك الوقت، فإن هذا لا يعني أن شخصيّته لم تكن عظيمة، أو أن حكمته وقدرته كانتا مُجرّد كلمات فارغة. بالنسبة للإنسان، هناك طريقةٌ واحدة فقط لمعرفة شخصيّة الله والله نفسه: اتّباع خطوات عمل تدبير الله وخلاص البشريّة، وقبول الكلمات التي يتحدّث بها الله للبشريّة. بعد معرفة طبيعة الله وشخصيّته، هل ما زال الإنسان يطلب من الله أن يُرِيه شخصه الحقيقيّ؟ في سبيل أن يفهم الإنسان شخصيّة الله وطبيعته، سوف يكون قد رأى بالفعل الإله الحقيقيّ وسوف يكون قد رأى بالفعل شخصه الحقيقيّ. هذه هي النتيجة الحتميّة.

بينما تقدّم عمل الله وخطّة عمله باستمرارٍ، وبعد أن أنشأ الله عهد قوس قزح مع الإنسان كعلامةٍ على أنه لن يُهلِك العالم مرةً أخرى بالطوفان، كانت لديه رغبةٌ مُلحّة متزايدة لكسب أولئك الذين يمكن أن يكون فكرهم معه. وكانت لديه أيضًا رغبةٌ مُلحّة أكثر في كسب أولئك الذين استطاعوا تنفيذ إرادته على الأرض، وعلاوة على ذلك، كسب مجموعة من الناس القادرين على التحرّر من قوى الظلام وعدم الخضوع للشيطان والشهادة له على الأرض. كان كسب هذه المجموعة من الناس هو رغبة الله منذ فترةٍ طويلة، وما كان ينتظره منذ زمن الخلق. وهكذا، بغضّ النظر عن استخدام الله للطوفان لإهلاك العالم، أو استخدام عهده مع الإنسان، فإن إرادة الله وإطار عقله وخطّته وآماله ظلّت كلها كما هي. ما أراد أن يفعله، وما كان يتوق إليه منذ وقتٍ طويل قبل وقت الخلق هو كسب أولئك الناس الذين رغب في اكتسابهم- أي كسب مجموعة من الناس القادرين على فهم ومعرفة شخصيّته وفهم إرادته، مجموعة من الناس القادرين على عبادته. مثل هذه المجموعة من الناس قادرةٌ حقًّا على الشهادة له ومن الممكن أن يقال إنهم المُقرّبون إليه.

دعونا اليوم نواصل تتّبع خطى الله واتّباع خطوات عمله حتى نتمكّن من كشف أفكار الله وآرائه وكل شيءٍ له علاقة بالله، وكل ما هو "محفوظٌ" لفترةٍ طويلة. من خلال هذه الأمور سوف نعرف شخصيّة الله ونفهم جوهره وسوف ندعه يدخل قلوبنا، وكل واحدٍ منا سوف يقترب ببطءٍ من الله وبذلك نُقلّل من بُعدنا عن الله.

كان جزءٌ ممّا تحدّثنا عنه في المرة الأخيرة يتعلّق بالسبب الذي جعل الله يقطع ميثاقًا مع الإنسان. وهذه المرة، سوف نعقد خدمة حول مقاطع الكتاب المُقدّس أدناه. دعونا نبدأ بقراءة الكتاب المُقدّس.

أ. إبراهيم

1. الله يعد إبراهيم بابنٍ

(التكوين 15:17-17) وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ امْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ. وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ«. فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: «هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟ «

(التكوين 21:17-22) وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ« فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُ صَعِدَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.

2. إبراهيم يُقدّم ابنه كمحرقةٍ

(التكوين 2:22-3) فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ«. فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ.

(التكوين 9:22-10) فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ.

لا أحد يمكنه أن يُعيق العمل الذي يُقرّره الله

هكذا سمعتم كلكم قصة إبراهيم. اختار الله إبراهيم بعد أن أهلك الطوفان العالم، وعندما كان عمره مائة عامٍ وكانت زوجته سارة في التسعين، جاءه وعد الله. ما الوعد الذي قطعه الله له؟ وعد الله بما هو مشارٌ إليه في الكتاب المُقدّس: «وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا«. ماذا كانت خلفيّة وعد الله بأن يرزقه بابنٍ؟ يُقدّم الكتاب المُقدّس الرواية التالية: «فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: «هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟« وهذا يعني أن هذين الزوجين المسنين كانا قد تقدّما كثيرًا في الأيام حتّى يُرزقا بابنٍ. وماذا فعل إبراهيم بعد أن قدّم الله له وعده؟ سقط على وجهه وضحك وقال في قلبه: «هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟«. اعتقد إبراهيم أن هذا كان مستحيلًا، ممّا يعني أنه اعتقد أن وعد الله له لم يكن أكثر من مُجرّد مزحة. من وجهة النظر البشريّة، كان هذا غير قابلٍ للتحقيق من الإنسان، وبالمثل غير قابلٍ للتحقيق من الله ويستحيل عليه. ربّما كان هذا الأمر بالنسبة لإبراهيم مثيرًا للضحك: الله خلق الإنسان، ولكن اتّضح أنه لا يعرف أن امرأةً عجوز غير قادرةٍ على إنجاب الأطفال ويعتقد أنه يستطيع أن يسمح لي بإنجاب طفلٍ، ويقول إنه سوف يرزقني بابنٍ، وبالتأكيد هذا مستحيلٌ! وهكذا، سقط إبراهيم على وجهه وضحك وقال في قلبه: مستحيلٌ–إن الله يمزح معي، فهذا لا يمكن أن يكون صحيحًا! لم يأخذ كلمات الله على محمل الجدّ. ولكن كيف كان الله يرى إبراهيم؟ (بارًا). أين جاء التصريح بأنه كان بارًا؟ تعتقدون أن جميع من يدعوهم الله هم أبرارٌ وكاملون وسالكون مع الله. أنتم تلتزمون بالتعليم! عليكم أن تروا بوضوحٍ أنه عندما يُعرّف الله شخصًا ما، فإنه لا يفعل ذلك بشكلٍ تعسفيّ. لم يقل الله إن إبراهيم كان بارًا. ولكن الله في قلبه لديه معايير لتحديد كل شخصٍ. على الرغم من أن الله لم يقل رأيه عن إبراهيم، ما نوع إيمان إبراهيم بالله من حيث سلوكه؟ هل كان إيمانًا مُجرّدًا بشكلٍ ما؟ أم كان إيمانه عظيمًا؟ لا، لم يكن! لقد كشف ضحكه وأفكاره عن شخصيّته، ولذلك فإن اعتقادكم بأنه كان بارًا من نسج خيالكم، إنه التطبيق الأعمى للتعليم، وتقييمٌ غير مسؤولٍ. هل رأى الله ضحك إبراهيم وتعابيره الصغيرة؟ هل علم بها؟ كان الله يعرف. ولكن هل سيُغيّر الله ما قرّر أن يفعله؟ لا! عندما خطّط الله وقرّر أنه سوف يختار هذا الرجل، كان الأمر قد تمّ بالفعل. لم تُؤثّر أفكار الإنسان ولا تصرّفاته أدنى تأثيرٍ على الله ولم تتداخل معه. لن يُغيّر الله خطّته تعسفيًّا، ولن يُغيّر خطّته أو يُبطِلها بسبب سلوك الإنسان، الذي قد يكون حتّى غبيًّا. ما معنى المكتوب إذًا في التكوين 21:17-22؟ «وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ «فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُ صَعِدَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ«. لم يهتمّ الله أدنى اهتمامٍ بما فكّر به إبراهيم أو قاله. وماذا كان سبب تجاهله؟ كان السبب في ذلك هو أن الله في ذلك الوقت لم يطلب من الإنسان أن يكون إيمانه عظيمًا أو أن يملك معرفة عظيمة بالله، أو، علاوة على ذلك، أن يكون قادرًا على فهم ما كان الله يعمله ويقوله. وهكذا، لم يطلب الله من الإنسان أن يفهم تمامًا ما قرّر الله أن يفعله، أو الأشخاص الذين قرّر أن يختارهم، أو مبادئ أفعاله، لأن قامة الإنسان ببساطةٍ لم تكن كافية. في ذلك الوقت، لاحظ الله ما فعله إبراهيم ومع ذلك تصرّف كالمعتاد. لم يدن أو يُوبّخ، ولكنه اكتفى بالقول: «الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ«. بعد أن أعلن الله هذه الكلمات تحقّق هذا الأمر خطوة بخطوةٍ. اعتبر الله أن ما كان ينبغي تحقيقه بخطّته قد تحقّق بالفعل. وبعد الانتهاء من هذه الترتيبات، صعد الله. لا شيء ممّا يفعله الإنسان أو يعتقده وما يفهمه وما يُخطّطه له أيّة علاقةٍ بالله. كل شيءٍ يمضي وفق خطّة الله، وفقًا للأوقات والمراحل التي حدّدها الله. هذا هو مبدأ عمل الله. لا يتدخّل الله في ما يُفكّر به أيّ إنسانٍ أو يعرفه، ومع ذلك لا يتخلّى عن خطّته ولا يتخلّى عن عمله بسبب أن الإنسان لا يؤمن أو يفهم. وهكذا يتم إنجاز الحقائق وفقًا لخطّة الله وأفكاره. وهذا بالضبط ما نراه في الكتاب المُقدّس: أتمّ الله ولادة إسحاق في الوقت الذي حدّده. هل تُثبِت الحقائق أن سلوك الإنسان وتصرّفه أعاقا عمل الله؟ لم يُعيقا عمل الله! هل أثّر إيمان الإنسان الضعيف بالله وتصوّراته وخياله عن الله على عمل الله؟ لا! مطلقًا! لا تتأثّر خطّة تدبير الله بأيّ إنسانٍ أو مادة أو بيئة. كل ما يعتزم عمله سوف يتم تحقيقه وإنجازه في الوقت المُحدّد ووفقًا لخطّته، ولا يمكن لأيّ شخصٍ التدخّل في عمله. لا يُعير الله أدنى اهتمامٍ لحماقة الإنسان وجهله، بل إنه يتجاهل بعضًا من معاندة الإنسان له ومفاهيمه تجاهه. بدلًا من ذلك، يؤدي العمل الذي ينبغي عمله دون تردّدٍ. هذه هي شخصيّة الله، وهذا انعكاسٌ لكليّة قدرته.

عمل تدبير الله وخلاص البشر يبدأ بتقديم إبراهيم إسحاق كمحرقةٍ

بعد أن رزق الله إبراهيم بابنٍ، تحققّت كلماته التي قالها لإبراهيم. هذا لا يعني أن خطّة الله توقّفت هنا؛ ولكن على العكس من ذلك، فإن خطّة الله الرائعة لتدبير البشريّة وخلاصها بدأت للتوّ، ومباركته لابن إبراهيم لم تكن سوى مُقدّمة لخطّة تدبيره الشاملة. في تلك اللحظة، من كان يعرف أن معركة الله مع الشيطان بدأت بهدوءٍ عندما قدّم إبراهيم إسحاق كمحرقةٍ؟

لا يهتمّ الله بحماقة الإنسان ولكنه يطلب من الإنسان أن يكون صادقًا

دعونا ننظر بعد ذلك إلى ما فعله الله لإبراهيم. في التكوين 2:22 أمر الله إبراهيم قائلًا: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ«. كان المعنى الذي يقصده الله واضحًا: كان يطلب من إبراهيم أن يُقدّم ابنه الوحيد إسحاق، الذي كان يُحبّه، كمحرقةٍ. بالنظر إلى هذا الأمر اليوم، هل ما زال أمر الله يتعارض مع تصوّرات الإنسان؟ نعم! كل ما فعله الله في ذلك الوقت يتناقض تمامًا مع مفاهيم الإنسان وغير مفهومٍ للإنسان. يؤمن الناس في تصوّراتهم بما يلي: عندما لا يُصدّق المرء معتقدًا أن الأمر مستحيل، يرزقه الله بابنٍ، وبعد أن يرُزِقَ بابنٍ يطلب الله منه أن يُقدّمه كمحرقةٍ-يا للغرابة! ماذا كان ينوي الله أن يعمله؟ ماذا كان الغرض الفعليّ لدى الله؟ لقد رُزِقَ إبراهيم بابنٍ دون شرطٍ، لكن الله طلب أيضًا من إبراهيم أن يُقدّم محرقة غير مشروطةٍ. هل كان هذا أمرًا مفرطًا؟ من وجهة نظرٍ محايدة، لم يكن هذا الأمر مفرطًا فحسب، بل كان أيضًا أشبه "بإثارة المتاعب من العدم«. لكن إبراهيم نفسه لم يعتقد أن الله كان يطلب الكثير. على الرغم من أنه كانت لديه بعض الأفكار البسيطة، وكان مُتشكّكًا نوعًا ما من الله، إلا أنه كان لا يزال مستعدًا لتقديم المحرقة. في هذه المرحلة، ما الذي تراه يُثبِت أن إبراهيم كان مستعدًا لتقديم ابنه؟ ما الذي يقال في هذه العبارات؟ يُقدّم النصّ الأصليّ الروايات التالية: «فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ« (التكوين 3:22). «فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ« (التكوين 9:22-10). عندما مدّ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه، هل رأى الله أعماله؟ نعم، فالعملية كلها- منذ البداية عندما طلب الله من إبراهيم أن يُقدّم إسحاق كمحرقةٍ إلى الوقت الذي رفع فيه إبراهيم سكينه ليذبح ابنه- كشفت لله عن قلب إبراهيم، وبغضّ النظر عن حماقة إبراهيم السابقة وجهله وسوء فهمه لله، كان قلبه في ذلك الوقت صادقًا وأمينًا وكان ينوي بالفعل إعادة إسحاق، ابنه الذي رزقه الله إياه، إلى الله. رأى الله فيه الطاعة- تلك الطاعة ذاتها التي كان يريدها.

يرى الإنسان أن الله يعمل الكثير من الأمور غير المفهومة وحتّى الغريبة. عندما يرغب الله في تنظيم شخصٍ ما، فإن هذا التنظيم غالبًا ما يكون متعارضًا مع مفاهيم الإنسان، وغير مفهومٍ له، ومع ذلك فإن هذا التنافر والغموض على وجه التحديد هما تجربة الله واختباره للإنسان. في الوقت نفسه، استطاع إبراهيم أن يبرهن على طاعة الله داخل نفسه، والتي كانت الشرط الأكثر جوهريّة في قدرته على تلبية طلب الله. وعندها فقط، عندما تمكّن إبراهيم من طاعة طلب الله، بتقديم إسحاق، هل شعر الله حقًّا بالاطمئنان والقبول تجاه البشريّة- أي تجاه إبراهيم الذي اختاره؟ عندها فقط كان الله واثقًا من أن هذا الشخص الذي اختاره كان قائدًا لا غنى عنه يستطيع من خلاله أن يفي بوعده وخطّة تدبيره اللاحقة. على الرغم من أن هذا كان مُجرّد تجربة واختبار، إلا أن الله شعر بالرضا وبمحبّة الإنسان له، وبالارتياح من طرف الإنسان كما لم يحدث من قبل. في اللحظة التي رفع فيها إبراهيم سكينه ليذبح إسحاق، هل منعه الله؟ لم يسمح الله لإبراهيم بتقديم إسحاق، لأن الله لم يكن ينوي ببساطةٍ أن يأخذ حياة إسحاق. وهكذا، أوقف الله إبراهيم في الوقت المناسب. رأى الله أن طاعة إبراهيم اجتازت الاختبار وأن ما فعله كان كافيًا، ورأى الله بالفعل نتيجة ما كان ينوي فعله. هل كانت هذه النتيجة مُرضية لله؟ يمكن القول إن هذه النتيجة كانت مُرضية لله، وإن هذا ما أراده الله وما كان يتوق لرؤيته. هل هذا صحيحٌ؟ بالرغم من ذلك، يستخدم الله، في سياقاتٍ مختلفة، طرقًا مختلفة لاختبار كل شخصٍ. رأى الله في إبراهيم ما أراده، ورأى أن قلب إبراهيم كان صادقًا، وأن طاعته كانت غير مشروطةٍ، وكان الله لا يريد سوى هذا الجانب «غير المشروط«. كثيرًا ما يقول الناس، لقد قدّمت هذا بالفعل وتركت ذلك بالفعل- فلماذا لا يزال الله غير راضٍ عني؟ لماذا يستمرّ في إخضاعي للتجارب؟ لماذا يستمرّ في اختباري؟ هذا يدلّ على حقيقةٍ واحدة: الله لم يرَ قلبك، ولم يكسب قلبك. وهذا يعني أنه لم يرَ مثل هذا الصدق الذي كان لدى إبراهيم عندما رفع سكينه ليذبح ابنه بيده ويُقدّمه لله. لم يرَ طاعتك غير المشروطة، ولم يشعر بالرضا منك. من الطبيعيّ إذًا أن يستمرّ الله في تجربتك. هل هذا غير صحيحٍ؟ سوف نترك هذا الموضوع عند هذه النقطة. وبعد ذلك، سوف نقرأ «وعد الله لإبراهيم«.

3. وعد الله لإبراهيم

(التكوين 16:22-18) وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي«.

هذا وصفٌ كامل لبركة الله لإبراهيم. على الرغم من اختصاره، إلا أنه غنيٌ في محتواه: إنه يشمل سبب وخلفيّة عطيّة الله لإبراهيم وطبيعة ما أعطاه لإبراهيم. كما أنه يفيض بالبهجة والفرح اللذين عبّر بهما الله عن هذه الكلمات، بالإضافة إلى إلحاح اشتياقه لكسب أولئك القادرين على الاستماع إلى كلماته. نرى في هذا اعتزاز الله ورفقته تجاه من يطيعون كلامه ويتبعون أوامره. كما أننا نرى الثمن الذي يدفعه لكسب الناس، والرعاية والتفكير اللذين يضعهما لكسبهم. علاوة على ذلك، يُقدّم لنا المقطع، الذي يحتوي على الكلمات «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ«، إحساسًا قويًّا بالمرارة والألم اللذين لم يكن يتحمّلهما سوى الله، وراء الكواليس، لهذا العمل في خطّة تدبيره. إنها عبارةٌ مُحفّزة للتفكير وتحمل أهميةٌ خاصة وكان لها تأثيرٌ بعيد المدى على من جاءوا فيما بعد.

الإنسان ينال بركات الله بفضل صدقه وطاعته

هل كانت البركة التي أعطاها الله لإبراهيم التي نقرأها هنا رائعة؟ ما مدى روعتها؟ هناك جملةٌ رئيسيّة هنا: «وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ«، ممّا يدلّ على أن إبراهيم نال بركات لم ينلها أي شخصٍ جاء من قبله أو بعده. بحسب طلب الله، عندما أعاد إبراهيم ابنه الوحيد- ابنه الوحيد المحبوب- إلى الله (ملاحظة: لا يمكننا هنا استخدام كلمة «قدّم«، ولكن يجب أن نقول إنه أعاد ابنه إلى الله)، فإن الله لم يسمح لإبراهيم بأن يُقدّم إسحاق وحسب، لكنه باركه أيضًا. بأيّ وعدٍ بارك إبراهيم؟ الوعد بتكثير نسله. وبأيّ عددٍ سوف يتمّ تكثيره؟ يُقدّم الكتاب المُقدّس الرواية التالية: «كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ«. ماذا كان السياق الذي نطق به الله هذه الكلمات؟ وبمعنى آخر، كيف نال إبراهيم بركات الله؟ لقد نالها بحسب ما يقوله الله في الكتاب المُقدّس: «مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي«. وهذا يعني أنه بسبب أن إبراهيم اتّبع أمر الله وفعل كل ما قاله الله وطلبه وأمر به بدون أدنى شكوى، فإن الله قدّم له هذا الوعد. هناك جملةٌ حاسمة في هذا الوعد تتطرّق إلى أفكار الله في ذلك الوقت. هل رأيتموها؟ ربمّا لم تولون تعبير الله «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ« الكثير من الاهتمام. ما يقصده هذا التعبير هو أنه عندما نطق الله هاتين الكلمتين كان يُقسِم بذاته. بماذا يُقسِم الناس عند أداء القسم؟ يُقسِمون بالسماء، أي يؤدون القسم لله ويُقسِمون بالله. قد لا يملك الناس فهمًا كافيًا لواقعة قسم الله بذاته، ولكن سوف يمكنكم الفهم عندما أقدّم لكم التفسير الصحيح. عندما لا يكون أمام الله سوى إنسان يكتفي بسماع كلامه ولكنه لا يفهم قلبه، فإن هذا يجعل الله يشعر بالوحدة والحيرة. في لحظة يأسٍ- ويمكن القول إنه في لحظةٍ من لحظات اللاشعور- فعل الله شيئًا طبيعيًّا للغاية: وضع الله يده على قلبه وخاطب نفسه عندما قدّم هذا الوعد لإبراهيم، ومن هذا سمع الإنسان الله يقول «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ«. من خلال أعمال الله، ربمّا تفكّر في نفسك. عندما تضع يدك على قلبك وتتحدّث إلى نفسك، هل تكون لديك فكرةٌ واضحة عمّا تقوله؟ هل موقفك صادق؟ هل تتحدّث بصراحةٍ مع قلبك؟ وهكذا، نرى هنا أنه عندما تحدّث الله إلى إبراهيم، فإنه كان جادًا وصادقًا. في الوقت نفسه الذي تحدّث فيه الله مع إبراهيم وباركه، كان الله يتحدّث أيضًا إلى نفسه. كان يقول لنفسه: سوف أبارك إبراهيم وأجعل نسله وفيرًا كنجوم السماء وكالرمال على شاطئ البحر، لأنه أطاع كلماتي وهو من أختاره. عندما قال الله «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ«، قرّر أنه في إبراهيم سوف يأتي بشعب بني إسرائيل المختار، وبعد ذلك سيقود هذا الشعب إلى الأمام بسرعةٍ من خلال عمله. أي أن الله كان سيجعل أحفاد إبراهيم يحملون عمل تدبير الله، وأن عمل الله وما عبّر عنه الله سوف يبدأ بإبراهيم ويستمرّ في نسل إبراهيم، وبالتالي تتحقّق رغبة الله في خلاص الإنسان. ماذا ترون في هذا؟ أليس هذا شيئًا مباركًا؟ يرى الإنسان أنه لا توجد نعمةٌ أعظم من هذا؛ ويمكن القول إن هذا أعظم بركةٍ. لم تكن البركة التي نالها إبراهيم تكثير نسله، بل تحقيق الله لتدبيره ومهمّته وعمله في نسل إبراهيم. وهذا يعني أن البركات التي نالها إبراهيم لم تكن مُؤقّتة، بل استمرّت مع تقدّم خطّة تدبير الله. عندما تكلّم الله وأقسم بنفسه، كان قد اتّخذ قرارًا بالفعل. هل كانت عملية هذا القرار صادقة؟ هل كانت حقيقيّة؟ قرّر الله، من تلك اللحظة فصاعداً، أن ينال إبراهيم ونسله جهود الله والثمن الذي دفعه وطبيعته وكل شيءٍ وحتّى حياته. كما قرّر الله أنه بدءًا من هذه المجموعة من الناس سوف يكشف عن أعماله ويسمح للإنسان بأن يرى حكمته وسلطانه وقدرته.

رغبة الله الثابتة هي كسب أولئك الذين يعرفون الله وقادرون على الشهادة له

في الوقت نفسه الذي كلّم فيه الله ذاته، تكلّم أيضًا مع إبراهيم، ولكن بصرف النظر عن سماع البركات التي وهبها الله إياه، هل كان إبراهيم قادرًا على فهم رغبات الله الحقيقيّة في جميع كلماته في تلك اللحظة؟ لا، لم يكن! وهكذا، في تلك اللحظة، عندما أقسم الله بذاته، كان قلبه لا يزال وحيدًا وحزينًا. لم يكن هناك شخصٌ واحد قادر على فهم أو استيعاب ما قصده الله وخطّط له. في تلك اللحظة، لم يتمكّن أيّ شخصٍ- بما في ذلك إبراهيم- من التحدّث إليه واثقًا، ولم يكن هناك أيّ شخصٍ قادر على التعاون معه في أداء العمل الذي ينبغي عليه إتمامه. من الناحية الظاهريّة، كسب الله إبراهيم، وكسب شخصًا يمكنه أن يطيع كلامه. ولكن في الواقع، لم تكن معرفة هذا الشخص بالله أكثر من كونها منعدمة. على الرغم من أن الله بارك إبراهيم، إلا أن قلب الله لم يكن راضيًا بعد. ما معنى أن الله لم يكن راضيًا؟ هذا يعني أن تدبيره كان قد بدأ للتوّ، وأن الناس الذين أراد كسبهم، والشعب الذي تاق لرؤيته، والشعب الذي أحبّه، كانوا لا يزالون بعيدين عنه. كان بحاجةٍ للوقت، وكان بحاجةٍ للانتظار، وكان بحاجةٍ للتحلّي بالصبر. لأنه في ذلك الوقت، بصرف النظر عن الله نفسه، لم يكن هناك أحدٌ يعرف ما الذي يحتاجه، أو ما كان يرغب في كسبه، أو ما كان يتوق إليه. وهكذا، في الوقت نفسه الذي شعر فيه الله بالفرح، شعر الله بقلبٍ مثقل. ومع ذلك، لم يوقف خطواته بل واصل التخطيط للخطوة التالية لما كان ينبغي عليه أن يفعله.

ماذا ترون في وعد الله لإبراهيم؟ منح الله إبراهيم بركات عظيمة لمُجرّد أنه استمع إلى كلماته. على الرغم من أن هذا، من الناحية الظاهريّة، يبدو طبيعيًا وبديهيًّا، إلا أننا نرى فيه قلب الله: فالله يُثمّن على وجهٍ خاص طاعة الإنسان له ويعتزّ بفهم الإنسان له وصدقه أمامه. كم يُقدّر الله هذا الصدق؟ قد لا تفهمون كم يُقدّره، وربمّا لا يكون هناك من يدرك ذلك. رزق الله إبراهيم بابنٍ، وعندما كبر ذلك الابن طلب الله من إبراهيم تقديمه له. اتّبع إبراهيم أمر الله بالحرف، وأطاع كلمته، فأثار صدقه مشاعر الله وأصبح موضع اعتزاز الله. كم قدّر الله هذا؟ ولماذا قدّره؟ في وقتٍ لم يكن أحدٌ يستوعب كلمات الله أو يفهم قلبه، صنع إبراهيم شيئًا رجّ السماء ورجف الأرض، وجعل الله يشعر شعورًا غير مسبوقٍ بالرضا وغمره بفرحة كسب شخصٍ استطاع أن يطيع كلماته. نبع هذا الرضا والفرح من مخلوقٍ صنعته يد الله، وكانا أول «تقدمةٍ« قدّمها الإنسان لله فكان مصدر تقديرٍ كبير من الله منذ خلق الإنسان. مرّ الله بوقتٍ عصيب في انتظار هذه التقدمة، وتعامل معها بصفتها أول هديةٍ من الإنسان الذي خلقه. أظهرت لله أول ثمرةٍ لجهوده وللثمن الذي دفعه، وسمحت له برؤية الرجاء في الجنس البشريّ. بعد ذلك، كان الله لديه شوقٌ أكبر لمجموعة من مثل هؤلاء الناس ليبقوا في رفقته ويتعاملوا معه بصدقٍ ويتعهّدون له بأمانةٍ. كان الله يأمل حتّى في أن يستمرّ إبراهيم حيًّا لأنه كان يرغب في أن يرافقه قلب إبراهيم وأن يكون معه مع استمرار تدبيره. بغضّ النظر عمّا أراده الله، كانت هذه مُجرّد رغبة، مُجرّد فكرة- لأن إبراهيم كان مُجرّد رجل استطاع طاعة الله ولم يكن لديه أدنى فهمٍ أو معرفة بالله. لم يكن يرقى لمستوى متطلّبات الله من الإنسان: معرفة الله والقدرة على الشهادة لله ووحدانيّة الذهن مع الله. وهكذا لم يستطع السير مع الله. رأى الله في تقدمة إبراهيم إسحاق كمحرقةٍ إخلاص إبراهيم وطاعته، ورأى أنه اجتاز اختبار الله له. على الرغم من أن الله قَبِلَ صدق إبراهيم وطاعته، إلا أنه كان لا يزال غير جديرٍ بأن يصبح مُقرّبًا لله، وأن يصبح شخصًا يعرف الله ويفهمه ويكون على درايةٍ بشخصيّته. كان بعيدًا عن أن تكون له وحدانية الذهن مع الله وتنفيذ إرادته. وهكذا، كان الله في قلبه لا يزال وحيدًا ومتشوّقًا. كلّما أصبح الله وحيدًا ومتشوّقًا، كان بحاجةٍ لمواصلة تدبيره في أقرب وقتٍ ممكن، والتمكّن من اختيار وكسب مجموعة من الناس لإنجاز خطّة تدبيره وتحقيق إرادته في أقرب وقتٍ ممكن. كانت هذه رغبة الله المتلهّفة، وظلّت بدون تغييرٍ منذ البداية وحتّى اليوم. منذ أن خلق الله الإنسان في البداية، كان يتوق إلى مجموعةٍ من الغالبين، أي مجموعة تسلك معه وتكون قادرة على فهم شخصيّته واستيعابها. لم تتغيّر رغبة الله هذه قط. بغضّ النظر عن طول المدة التي ما زال الله ينتظرها، وبغضّ النظر عن مدى صعوبة الطريق، وبغضّ النظر عن مدى بُعد الأهداف التي يتوق إليها، فإنه لم يُغيّر توقّعاته من الإنسان ولم يتخلّ عنها. والآن بعد أن قلت هذا، هل تدركون شيئًا من رغبة الله؟ ربمّا يكون ما أدركتموه غير عميقٍ للغاية- ولكنه سوف يأتي بشكلٍ تدريجيّ!

في زمان إبراهيم، دمّر الله مدينة أيضًا. كانت هذه المدينة اسمها سدوم. لا شكّ أن العديد من الناس يعرفون قصة سدوم، ولكن لا أحد يعرف أفكار الله التي كانت خلفيّة تدميره للمدينة.

وهكذا الأمر اليوم، من خلال حوارات الله مع إبراهيم أدناه، سوف نعرف أفكاره في ذلك الوقت بينما نعرف أيضًا شخصيّته. بعد ذلك، دعونا نقرأ المقاطع التاليّة من الكتاب المُقدّس.

ب. يتعيّن على الله تدمير سدوم

(التكوين 26:18) فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ«.

(التكوين 29:18) فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ«.

(التكوين 30:18) فَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ«.

(التكوين 31:18) فَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ«.

(التكوين 32:18) فَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ«.

هذه بعض المقتطفات التي اخترتها من الكتاب المُقدّس. إنها ليست الإصدارات الكاملة والأصليّة. إذا رغبتم في الاطّلاع عليها، فيمكنكم البحث عنها في الكتاب المُقدّس بأنفسكم. لتوفير الوقت، حذفت جزءًا من المحتوى الأصليّ. اخترت فقط العديد من العبارات والجمل الرئيسيّة وتركت عدة عباراتٍ لا تُؤثّر على خدمتنا اليوم. في جميع العبارات والمحتويات موضوع خدمتنا، يتخطّى تركيزنا تفاصيل القصص وسلوك الإنسان في القصص؛ وبدلاً من ذلك، لا نتحدّث إلا عن أفكار الله وآرائه في ذلك الوقت. في أفكار الله وآرائه، سوف نرى شخصيّة الله، ومن كل ما عمله الله سوف نرى الإله الحقيقيّ نفسه- وفي هذا سوف نُحقّق هدفنا.

لا يهتمّ الله سوى بمن يستطيعون طاعه كلامه واتّباع أوامره

تحتوي الفقرات أعلاه على عدة كلماتٍ رئيسيّة: الأرقام. أولًا، قال يهوه إنه إذا وجد خمسين بارًا داخل المدينة فسوف يُصفِح عن المكان، أي لن يُهلِك المدينة. هل كان هناك، في الواقع، خمسون بارًا في سدوم؟ لا، لم يكن. بعد فترةٍ وجيزة، ماذا قال إبراهيم لله؟ قال: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ». فأجاب الله: «لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ«. ثم قال إبراهيم: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ». فأجاب الله: «لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ«. ثم قال إبراهيم: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ». فأجاب الله: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ«. ثم قال إبراهيم: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ». فأجاب الله: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ«. هل كان هناك في الواقع عشرة أبرارٍ في المدينة؟ لم يكن هناك عشرة، ولكن كان هناك واحدٌ فقط. ومن كان هذا الشخص؟ كان لوط. لم يكن هناك في ذلك الوقت سوى شخص واحد بار في سدوم، ولكن هل كان الله صارمًا جدًّا أو قاسيًا عندما وصل الأمر إلى هذا العدد؟ لا، لم يكن! وهكذا عندما ظلّ إبراهيم يسأل: «أربعون«، «ثلاثون«، وصولًا إلى «عشرة«، فأجاب الله بما معناه: «حتّى إذا كان هناك عشرة فقط فلن أهلِك المدينة ولكني أصفح عنها وأغفر للناس الآخرين إلى جانب هؤلاء العشرة«. كان من الممكن أن يكون العدد عشرة قليلًا بما فيه الكفاية، ولكن اتّضح أنه، في الواقع، لم يكن هناك حتّى هذا العدد من الأبرار في سدوم. ترى، إذًا، أنه في نظر الله، لم تترك خطيّة شعب المدينة وشرّه لله سوى خيار إهلاكهم. ماذا قصد الله عندما قال إنه لن يُهلِك المدينة إذا كان هناك خمسون بارًا؟ لم تكن هذه الأرقام مهمّة لله. كان المهمّ هو ما إذا كانت المدينة يسكن بها البار الذي كان يريده. إذا لم يكن في المدينة سوى بار واحد، فلن يسمح له الله بالضرر بسبب إهلاكه للمدينة. وهذا يعني أنه، بغضّ النظر عمّا إذا كان الله سوف يُهلِك المدينة أم لا، وبغضّ النظر عن عدد الأبرار في المدينة، أن هذه المدينة الخاطئة كانت في نظر الله ملعونة ومقيتة ويجب إهلاكها وإخفائها من عين الله، في حين ينبغي الحفاظ على الأبرار. بغضّ النظر عن السنّ، وبغضّ النظر عن مرحلة تطوّر الجنس البشريّ، لا يتغيّر موقف الله: إنه يكره الشرّ، ويهتمّ بالبار في نظره. هذا الموقف الواضح من الله هو أيضًا الوحي الحقيقيّ لجوهر الله. لم يعد الله يتردّد بسبب وجود بار واحد فقط داخل المدينة. كانت النتيجة النهائيّة هي دمار سدوم حتمًا. ماذا ترون في هذا؟ في ذلك العصر، لم يكن الله ليُهلِك مدينة إذا كان فيها خمسون بارًا، ولا إذا كان فيها عشرة، ممّا يعني أن الله سوف يُقرّر أن يغفر للجنس البشريّ ويسامحه أو يُؤدّي عمل التوجيه بسبب عددٍ قليل من الناس القادرين على الخضوع له وعبادته. يولي الله قدرًا هائلًا من الأهمّيّة لأعمال الإنسان البارة وبأولئك القادرين على عبادته وبأولئك القادرين على فعل الخير أمامه.

منذ الأزمنة الأولى وحتّى اليوم، هل قرأتم في الكتاب المُقدّس عن أن الله ينقل الحقّ أو يتحدّث عن طريقه إلى أيّ شخصٍ؟ لا. كان كلام الله للإنسان الذي نقرأه يُخبِر الناس بما يجب أن يفعلوه وحسب. البعض تحرّك وأطاعه، والبعض لم يطيعوه؛ البعض آمنوا والبعض لم يؤمنوا. هذا كل ما في الأمر. وهكذا، فإن الأبرار في ذلك الزمان- أولئك الذين كانوا أبرارًا في نظر الله- كانوا هم من يسمعون كلمات الله ويتبعون أوامره. كانوا خُدامًا يُنفّذون كلمات الله بين البشر. هل يمكن أن نُسمّي أولئك الناس بأنهم يعرفون الله؟ هل يمكن أن نُسمّيهم أشخاصًا جعلهم الله كاملين؟ لا. وهكذا، وبغضّ النظر عن عددهم، في نظر الله، هل كان هؤلاء الأبرار يستحقّون تسميتهم بأنهم مُقرّبون عند الله؟ هل يمكن تسميتهم بأنهم شهود لله؟ بالتأكيد لا! لم يكونوا بالتأكيد يستحقّون تسميتهم بأنهم مُقرّبون عند الله أو شهود لله. ماذا كان الله يدعو هؤلاء الناس إذًا؟ في الكتاب المُقدّس، وصولًا إلى الفقرات الكتابيّة التي قرأناها للتوّ، هناك العديد من الأمثلة التي يُطلِق فيها الله على كل واحدٍ منهم باسم «عبدي«. وهذا يعني، في ذلك الوقت، أن هؤلاء الناس الأبرار كانوا في نظر الله عبيدًا لله، أي أنهم كانوا يخدمونه على الأرض. وكيف فكّر الله في هذه التسمية؟ لماذا دعاهم هكذا؟ هل الله لديه معايير لتسمية الناس في قلبه؟ بالتأكيد، الله لديه معايير، بغضّ النظر عمّا إذا كان يدعو الناس أبرارًا أو كاملين أو مستقيمين أو عبيدًا. عندما يدعو شخصًا ما بأنه عبده، فهو يؤمن إيمانًا راسخًا بأن هذا الشخص قادرٌ على استقبال رسله واتّباع أوامره، ويمكنه تنفيذ ما يأمر به الرسل. وماذا يُنفّذ هذا الشخص؟ إنه يُنفّذ ما يأمره به الله بعمله وتنفيذه على الأرض. في ذلك الوقت، هل يمكن تسمية ما كان الله يطلب من الإنسان عمله وتنفيذه على الأرض بأنه طريق الله؟ لا، لا يمكن. لأن الله في ذلك الوقت لم يكن يطلب من الإنسان سوى أن يعمل بعض الأشياء البسيطة. كان يُصدِر بعض الأوامر البسيطة تقول للإنسان بأن يفعل هذا أو ذاك، ولا شيء أكثر من ذلك. كان الله يعمل وفق خطّته لأنه في ذلك الوقت لم تكن الكثير من الشروط حاضرة ولم يكن الوقت قد حان بعد، وكان من الصعب على البشريّة أن تتحمّل طريق الله، وهكذا لم يكن طريق الله قد خرج للعلن بعد من قلب الله. اعتبر الله الناس الأبرار الذين تكلّم عنهم، والذين نراهم هنا- سواء كانوا ثلاثون أو عشرون- خُدّامًا له. عندما جاء رسل الله إلى هؤلاء الخُدّام، استطاعوا استقبالهم واتّباع أوامرهم والتصرّف وفقًا لكلماتهم. كان هذا بالضبط ما يجب على الخُدّام عمله وتحقيقه في نظر الله. الله حكيمٌ في تسمياته للناس. لم يدعهم خُدّامه لأنهم كانوا مثلكم أنتم الآن- لأنهم سمعوا الكثير من الوعظ وعرفوا ما كان الله يفعله وفهموا الكثير من إرادة الله وفهموا خطّة تدبيره- ولكن لأن إنسانيّتهم ​​كانت صادقة واستطاعوا الامتثال لكلمات الله. فعندما أمرهم الله، استطاعوا وضع ما كانوا يفعلونه جانبًا وتنفيذ ما أمر به الله. وهكذا، يرى الله أن الطبقة الأخرى من المعنى المتضمّن في تسمية[1] خادم هي أنهم تعاونوا مع عمله على الأرض، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا رسلًا لله، إلا أنهم كانوا المُنفّذون والمُتمّمون لكلمات الله على الأرض. ترون، إذًا، أن هؤلاء الخُدّام أو الأبرار كانت لهم مكانةٌ كبيرة في قلب الله. كان العمل الذي سيبدأه الله على الأرض لا يمكن إتمامه دون أن يتعاون معه أشخاصٌ، وكان الدور الذي أدّاه خُدّام الله لا يمكن أن يُؤدّيه رسل الله. كل مهمّةٍ أمر بها الله هؤلاء الخُدّام كانت تحمل أهمّيّة كبيرة له، وهكذا لم يستطع أن يخسرهم. بدون تعاون هؤلاء الخُدّام مع الله، لوصل عمله بين البشر إلى طريقٍ مسدود، ونتيجةً لذلك لما نتج أيّ شيءٍ عن خطّة تدبير الله وآماله.

الله كثير المراحم تجاه من يهتمّ بهم، وشديد الغضب على من يمقتهم ويرفضهم

في رواية الكتاب المُقدّس، هل كان هناك عشرة خُدّامٍ لله في سدوم؟ لا، لم يكن! هل كانت المدينة تستأهل أن يصفح عنها الله؟ لم يستقبل سوى شخص واحد في المدينة- وهو لوط- رسل الله. ومعنى ذلك هو أنه لم يكن هناك سوى خادم واحد في المدينة، وبالتالي لم يكن لدى الله خيار سوى إنقاذ لوط وإهلاك مدينة سدوم. قد تبدو هذه الحوارات بين إبراهيم والله بسيطة، لكنها تُوضّح شيئًا عميقًا جدًّا: هناك مبادئ لأفعال الله، وقبل أن يتّخذ الله القرار يقضي وقتًا طويلاً في المراقبة والمشاورة؛ وقبل الوقت المناسب لن يتّخذ أيّة قراراتٍ بالتأكيد أو يتوصّل إلى أيّة استنتاجاتٍ. تُبيّن لنا الحوارات بين إبراهيم والله أن قرار الله بإهلاك سدوم لم يكن قرارًا خاطئًا بأيّة درجةٍ، لأن الله كان يعلم بالفعل أنه لم يكن هناك في المدينة أربعون بارًا أو ثلاثون أو عشرون. ولم يكن هناك عشرة حتّى. كان الشخص الوحيد البار في المدينة هو لوط. كان الله يلاحظ كل ما يحدث في سدوم وملابساته، وكان على درايةٍ بها مثل ظهر يده. وبالتالي، لا يمكن أن يكون قراره خاطئًا. على النقيض من ذلك، بالمقارنة مع قدرة الله، فإن الإنسان فاقد الحسّ للغاية وأحمق وجاهل وقصير النظر. هذا ما نراه في الحوارات بين إبراهيم والله. ظلّ الله يُظهِر شخصيّته من البداية حتّى اليوم. وهنا، بالمثل، شخصيّة الله التي يجب أن نراها. الأرقام بسيطة ولا تُبيّن أيّ شيءٍ، ولكن هنا تعبيرٌ مهمّ جدًّا عن شخصيّة الله. لن يُهلِك الله المدينة من أجل خمسين بارًا. هل هذا يرجع لرحمة الله؟ هل يرجع لمحبّته وتسامحه؟ هل سبق ورأيتم هذا الجانب من شخصيّة الله؟ حتّى إذا لم يكن هناك سوى عشرة أبرارٍ، لما كان الله قد أهلك المدينة من أجل هؤلاء الأبرار العشرة. هل هذا تسامح الله ومحبّته أم لا؟ بسبب رحمة الله وتسامحه واهتمامه تجاه هؤلاء الأبرار، لما أهلك المدينة. هذا هو تسامح الله. في النهاية، ما النتيجة التي نراها؟ عندما قال إبراهيم: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ»، قال الله: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ«. وبعد ذلك لم يتكلّم إبراهيم، لأن سدوم لم يكن بها الأبرار العشرة الذي ذكرهم فلم يعد لديه ما يقوله، وفي ذلك الوقت فهم سبب قرار الله بإهلاك سدوم. ما شخصيّة الله التي ترونها في هذا؟ ما نوع القرار الذي اتّخذه الله؟ إذا لم يكن في هذه المدينة عشرة أبرارٍ لما سمح الله بوجودها ولأهلكها حتمًا. أليس هذا غضب الله؟ هل يُمثّل هذا الغضب شخصيّة الله؟ هل هذه الشخصيّة هي الإعلان عن جوهر الله المُقدّس؟ هل هي الإعلان عن جوهر الله البار، الذي ينبغي على الإنسان عدم الإساءة إليه؟ بعد تأكيد الله على أنه لم يكن هناك عشرة أبرارٍ في سدوم، أصرّ الله على إهلاك المدينة ومعاقبة شعبها بشدّةٍ لأنهم قاوموا الله ولأنهم كانوا خطاة وفاسدون.

لماذا حلّلنا هذه المقاطع بهذه الطريقة؟ لأن هذه العبارات البسيطة القليلة تُقدّم تعبيرًا كاملًا عن شخصيّة الله برحمته الوفيرة وغضبه الشديد. في الوقت نفسه الذي يُقدّر فيه الله الأبرار مترآفًا عليهم ومسامحًا إياهم ومهتمًّا بهم، كانت هناك في قلب الله كراهيةٌ مقيتة تجاه جميع الفاسدين الذين كانوا في سدوم. هل كان هذا، أم لم يكن، رحمةً وفيرة وغضبًا شديدًا؟ بأيّة وسيلةٍ أهلك الله المدينة؟ بالنار. ولماذا أهلكها بالنار؟ عندما ترى شيئًا يحترق بالنار، أو عندما تكون على وشك إحراق شيءٍ، ماذا تكون مشاعرك تجاهه؟ لماذا تريد إحراقه؟ هل تشعر بأنك لم تعد بحاجةٍ إليه، وأنك لم تعد ترغب بالنظر إليه؟ هل تريد التخلّي عنه؟ إن استخدام الله للنار يعني التخلّي والكراهية، وأنه لم يعد يرغب في رؤية سدوم. كانت هذه هي العاطفة التي جعلت الله يُهلِك سدوم بالنار. يُمثّل استخدام النار مدى غضب الله. رحمة الله وتسامحه موجودان بالفعل، ولكن قداسة الله وبرّه عندما يُعلِن غضبه يُظهِران للإنسان صفة الله التي لا تحتمل أيّة إساءةٍ. عندما يكون الإنسان قادرًا تمامًا على طاعة أوامر الله والتصرّف وفقًا لمتطلّباته، يكون الله كثير المراحم تجاه الإنسان. وعندما يكون الإنسان مليئًا بالفساد والكراهية والعداء ضده، يكون الله غاضبًا جدًّا. وإلى أيّ مدى يكون غضبه شديدًا؟ سوف يستمرّ غضبه حتّى لا يرى الله مقاومة الإنسان وأعماله الشريرة، وحتّى لا تكون أمام عينيه. عندها فقط سيختفي غضب الله. وهذا يعني أنه بغضّ النظر عن طبيعة الشخص، إذا أصبح قلبه بعيدًا عن الله وحاد عن الله ولم يرجع قط، فبغضّ النظر عن الكيفيّة، فيما يتعلّق بجميع مظاهره أو من حيث رغباته الذاتيّة، التي يريد بها عبادة الله واتّباعه وطاعته في جسده أو في فكره، فبمُجرّد أن يبتعد قلبه عن الله سوف يُعلِن الله عن غضبه دون توقّفٍ. وعندما يُعلِن الله غضبه الشديد، بعد أن يكون قد منح الإنسان فرصًا كثيرة، فبمُجرّد إعلان الغضب لن تكون هناك طريقةٌ لصدّ غضبه، ولن يكون متسامحًا أو متساهلًا مع ذلك الشخص مرةً أخرى. هذا جانبٌ من جوانب شخصيّة الله لا يحتمل أيّة إساءةٍ. هنا، يبدو من الطبيعيّ للناس أن يُهلِك الله مدينة، لأنه في نظر الله لا يمكن لمدينةٍ مليئة بالخطيّة أن توجد وتستمرّ في البقاء، وكان من المنطقيّ أن يُهلِكها الله. ولكن في الأحداث التي وقعت قبل إهلاك سدوم وبعده نرى شخصيّة الله بأكملها. إنه متسامحٌ ورحوم تجاه الأشياء اللطيفة الجميلة الجيّدة، ولكنه شديد الغضب تجاه الأشياء الشريرة الخاطئة الفاسدة، كما أن غضبه لا يتوقّف. هذان هما الجانبان الرئيسيّان البارزان في شخصيّة الله، وعلاوة على ذلك، كشف عنهما الله من البداية إلى النهاية: الرحمة الوفيرة والغضب الشديد. لقد اختبر معظمكم هنا ملمحًا من ملامح رحمة الله، ولكن قليلين جدًّا اختبروا غضب الله. يمكن رؤية رحمه الله وطول أناته في كل شخصٍ؛ أيّ أن الله رحيمٌ للغاية تجاه كل شخصٍ. ومع ذلك فإنه من النادر جدًّا- أو يمكن القول إنه لم يحدث قط- أن يكون الله قد غضب بشدّةٍ تجاه أيّ فردٍ أو أيّة مجموعةٍ من الناس بينكم هنا اليوم. اِسترخوا! عاجلّا أو آجلًا سوف يعاين كل شخصٍ غضب الله ويختبره، ولكن الوقت لم يحن بعد. ولماذا هذا؟ لأنه عندما يكون الله غاضبًا دومًا تجاه شخصٍ ما، أي عندما يصبّ غضبه الشديد عليه، فإن هذا يعني أنه قد مرّ زمانٌ طويل منذ أن مقت الله ذلك الشخص ورفضه، وأنه يحتقر وجوده ولا يحتمل وجوده؛ وبمُجرّد أن يأتي غضبه عليه فسوف يختفي. واليوم، لم يبلغ عمل الله بعد هذه النقطة. لن يستطيع أيٌ منكم الاحتمال عندما يُعلن الله غضبه الشديد. ترون إذًا أن الله في هذا الوقت وافر الرحمة تجاهكم جميعًا، وأنكم لم تعاينوا غضبه الشديد. إذا كان هناك من لم يقتنع بعد، فبإمكانكم أن تطلبوا غضب الله ينصبّ عليكم حتّى تختبروا ما إذا كان غضب الله وشخصيّته التي لا تقبل الإساءة موجودان بالفعل. هل تجرؤن على ذلك؟

شعب الأيام الأخيرة يرى فقط غضب الله في كلماته ولا يختبر حقًّا غضب الله

هل جانبا شخصيّة الله في هذه المقاطع الكتابيّة جديرين بالخدمة؟ بعد أن سمعتم هذه القصة، هل لديكم فهمٌ مُتجدّد لله؟ أيّ نوعٍ من الفهم؟ يمكن القول إنه منذ وقت الخلق وحتّى اليوم، لم تتمتّع أيّة مجموعةٍ بمقدار نعمة الله أو رحمته وطول أناته مثل هذه المجموعة الأخيرة. على الرغم من أن الله، في المرحلة الأخيرة، أدّى عمل الدينونة والتأديب، وأدّى عمله بالجلال والغضب، إلا أنه في معظم الأوقات لا يستخدم سوى الكلمات لإنجاز عمله. إنه يستخدم كلمات للتعليم والسقي والتدبير والتغذية. وفي الوقت نفسه، ظلّ غضب الله مختبئًا دائمًا، وبصرف النظر عن اختبار شخصيّة الله الغاضبة في كلماته، لم يختبر إلا عدد قليل من الناس غضبه شخصيًّا. وهذا يعني أنه أثناء عمل الله في الدينونة والتأديب، فإنه على الرغم من أن الغضب المستعلن في كلمات الله يسمح للناس باختبار جلال الله وعدم تهاونه مع الإساءة، فإن هذا الغضب لا يتجاوز كلماته. وهذا يعني أن الله يستخدم الكلمات لتوبيخ الإنسان، وكشفه، ودينونته، وتأديبه، بل وحتّى إدانته، لكن الله لم يغضب بعد بشدّةٍ من الإنسان، وبالكاد أطلق العنان لغضبه على الإنسان خارج كلماته. وهكذا، فإن رحمة الله وطول أناته التي اختبرهما الإنسان في هذا العصر هما الإعلان عن شخصيّة الله الحقيقيّة، في حين أن غضب الله الذي يختبره الإنسان ما هو إلا مُجرّد تأثير نغمة وحسّ أقواله. يأخذ كثيرون من الناس هذا التأثير على نحوٍ خاطئ على أنه الاختبار الحقيقيّ والمعرفة الحقيقيّة لغضب الله. ونتيجةً لذلك، يؤمن معظم الناس أنهم رأوا رحمة الله وطول أناته في كلماته، وأنهم عاينوا أيضًا عدم تساهل الله مع إساءة الإنسان، بل إن معظمهم وصل لمرحلة تقدير رحمة الله وتسامحه تجاه الإنسان. ولكن بغضّ النظر عن مدى سوء سلوك الإنسان، أو مدى فساد شخصيّته، كان الله يتحمّل دائمًا. وهدفه في تحمّله هو انتظار الكلمات التي تكلّم بها، والجهود التي بذلها، والثمن الذي دفعه لتحقيق تأثيرٍ في أولئك الذين يود كسبهم. إن انتظار نتيجة مثل هذه يستغرق وقتًا، ويتطلّب إنشاء بيئاتٍ مختلفة للإنسان، بالطريقة نفسها التي لا يصل بها الأشخاص مرحلة البلوغ بمُجرّد ولادتهم؛ فهذا يستغرق ثمانية عشر أو تسعة عشر عامًا، ويحتاج بعض الأشخاص إلى عشرين أو ثلاثين عامًا قبل أن يصلوا إلى مرحلة البلوغ الحقيقيّة. ينتظر الله استكمال هذه العمليّة ومجيء مثل هذا الوقت والوصول إلى هذه النتيجة. وطوال وقت انتظاره يكون وافر المراحم. ومع ذلك، خلال فترة عمل الله، يُجازى عددٌ قليل للغاية من الناس، ويُعاقَب بعضهم بسبب معارضتهم الشديدة لله. مثل هذه الأمثلة دليلٌ أكبر على شخصيّة الله التي لا تتهاون مع إساءة الإنسان، وتُؤكّد تمامًا الوجود الحقيقيّ لتسامح الله وتحملّه تجاه المختارين. بالطبع، في هذه الأمثلة النمطيّة، لا يُؤثّر الكشف عن جزءٍ من شخصيّة الله في هؤلاء الناس على خطّة تدبير الله الشاملة. في الواقع، في هذه المرحلة النهائيّة من عمل الله، تحمّل الله طوال فترة انتظاره، وتبادل تحمّله وحياته من أجل خلاص من يتبعونه. هل ترون هذا؟ الله لا يُحبِط خطّته بلا سببٍ. يمكنه أن يُطلِق غضبه، ويمكن أن يكون رحومًا أيضًا؛ هذا هو الإعلان عن الجزئين الرئيسيّين من شخصيّة الله. هل هذا واضحٌ جدًّا أم لا؟ أي أنه عندما يتعلّق الأمر بالله، الصواب والخطأ، العدل والظلم، الإيجابيّ والسلبيّ- فهذا كله يظهر بوضوحٍ للإنسان. أمّا ما سوف يفعله، وما يحبّه، وما يكرهه فيمكن أن ينعكس كله مباشرةً في شخصيّته. يمكن أن تكون مثل هذه الأشياء أيضًا واضحة جدًّا وجليّة في عمل الله، وهي ليست غامضة أو عامة. بدلًا من ذلك، فإنها تسمح لجميع الناس بأن ينظروا شخصيّة الله وطبيعته بطريقةٍ ملموسة وصحيحة وعمليّة بشكلٍ خاص. هذا هو الإله الحقيقيّ نفسه.

شخصيّة الله لم تُخفَ قط عن الإنسان–لكن قلب الإنسان ضلّ عن الله

إذا لم أقدّم خدمتي عن هذه الأمور، فلن يتمكّن أيّ واحدٍ منكم على رؤية شخصيّة الله الحقيقيّة في قصص الكتاب المُقدّس. هذه حقيقة. والسبب في ذلك هو أنه على الرغم من أن هذه القصص الكتابيّة سجلّت بعض الأشياء التي فعلها الله، إلا أن الله لم يتكلّم سوى بالقليل من الكلمات، ولم يُقدّم شخصيّته مباشرةً أو يكشف عن إرادته بوضوحٍ للإنسان. لم تعتبر الأجيال اللاحقة هذه الروايات أكثر من كونها قصص، ولذا يبدو للناس أن الله يُخفي نفسه عن الإنسان وأنه ليس شخص الله المخفيّ عن الإنسان بل شخصيّته وإرادته. بعد خدمتي اليوم، هل ما زلتم تشعرون بأن الله مخفيٌ بالكامل عن الإنسان؟ هل ما زلتم تعتقدون أن شخصيّة الله مخفيّة عن الإنسان؟

منذ زمن الخلق، كانت شخصيّة الله متوافقة مع عمله. لم تُخفَ قط عن الإنسان، ولكنها أُعلنت تمامًا وانكشفت للإنسان. ولكن مع مرور الوقت، أصبح قلب الإنسان أكثر بعدًا عن الله، ومع ازدياد فساد الإنسان، تزايد الانفصال بين الإنسان والله. اختفى الإنسان من أعين الله ببطءٍ ولكن بتأكيدٍ. أصبح الإنسان غير قادرٍ على «رؤية» الله، وهذا ما حال بينه وبين الحصول على أيّة «أخبارٍ» عن الله. وبالتالي، فإنه لا يعرف ما إذا كان الله موجودًا، بل إنه يتمادى إلى حدّ إنكار وجود الله تمامًا. وبالتالي، فإن عدم فهم الإنسان لشخصيّة الله وطبيعته لا يرجع لأن الله مخفيّ عن الإنسان، بل لأن قلب الإنسان ابتعد عن الله. على الرغم من أن الإنسان يؤمن بالله، إلا أن قلب الإنسان هو بدون الله، وهو جاهلٌ بكيفيّة محبّة الله، ولا يريد أن يحبّ الله لأن قلبه لا يقترب أبدًا من الله كما أنه دائمًا ما يتجنّب الله. ونتيجةً لذلك، فإن قلب الإنسان بعيدٌ عن الله. أين قلبه إذًا؟ في الواقع، لم يذهب قلب الإنسان إلى أيّ مكانٍ: بدلًا من أن يُسلّم الإنسان قلبه لله أو يكشفه لله، احتفظ به لنفسه. وهذا على الرغم من حقيقة أن البعض يصلّون في كثيرٍ من الأحيان إلى الله قائلين: «يا الله، انظر إلى قلبي-أنت تعرف كل ما أفكّر به»، والبعض يُقسِمون حتّى ويدعون الله بنظر قلوبهم وقد يتعرّضون للعقاب إذا خالفوا قسمهم. على الرغم من أن الإنسان يسمح لله بأن ينظر قلبه، فإن هذا لا يعني أنه قادرٌ على طاعة تنظيمات الله وترتيباته، ولا أنه ترك مصيره وآماله وكل شيءٍ لتحكّم الله. وهكذا، بغضّ النظر عن القسم الذي تُقدّمه لله أو ما تعلنه أمامه، فإن قلبك في نظر الله لا يزال مغلقًا أمامه، لأنك تسمح لله بأن ينظر قلبك فقط ولكنك لا تسمح له بالتحكّم فيه. وهذا يعني أنك لم تُسلّم الله قلبك مطلقًا ولا تتحدّث سوى بكلماتٍ لطيفة كي يسمعها الله؛ أمّا نواياك المخادعة المختلفة، مع مكائدك ومُخطّطاتك وخططك، فتخفيها عن الله، كما أنك تتشبّث بآمالك ومصيرك بين يديك، خائفًا على الدوام من أن يأخذها الله منك. وهكذا، فإن الله لا ينظر صدق الإنسان تجاهه أبدًا. على الرغم من أن الله يراقب أعماق قلب الإنسان ويمكنه أن يرى ما يفكّر فيه الإنسان وما يريد أن يفعله في قلبه، ويمكنه أن يرى الأشياء المتبقية داخل قلبه، إلا أن قلب الإنسان لا ينتمي إلى الله، فالإنسان لم يُسلّمه ليكون تحت تحكّم الله. وهذا يعني أن الله له الحقّ في النظر ولكن ليس له الحقّ في التحكّم. في الوعي الذاتيّ للإنسان، لا يريد الإنسان ولا ينوي أن يترك نفسه لرحمة الله. فالإنسان لم يغلق نفسه عن الله وحسب، بل هناك أناسٌ يُفكّرون حتّى في طرقٍ لتغطية قلوبهم، باستخدام الكلام الناعم والإطراء لخلق انطباعٍ خاطئ وكسب ثقة الله، وإخفاء وجههم الحقيقيّ بعيدًا عن أنظار الله. هدفهم عدم السماح لله بأن يرى حقيقتهم أو يُدرِكها. إنهم لا يريدون تسليم قلوبهم لله، ولكن الاحتفاظ بها لأنفسهم. والمعنى الضمنيّ لهذا هو أن ما يفعله الإنسان وما يريده خطّط له الإنسان وحسبه وقرّره بنفسه؛ إنه لا يتطلّب مشاركة الله أو تدخّله، ولا يحتاج إلى تنظيمات الله وترتيباته. وهكذا، سواء فيما يتعلّق بأوامر الله أو تكليفه أو المتطلّبات التي يضعها الله للإنسان، تستند قرارات الإنسان إلى نواياه ومصالحه وحالته وظروفه الخاصة في ذلك الوقت. يستخدم الإنسان دائمًا المعرفة والأفكار التي يعرفها وعقله للحكم واختيار المسار الذي يجب أن يتّخذه، ولا يسمح بتدخّل الله أو تحكّمه. هذا هو قلب الإنسان كما يراه الله.

منذ البداية وحتّى اليوم، كان الإنسان وحده قادرًا على التحدّث مع الله. وهذا يعني أنه من بين جميع الكائنات الحيّة ومخلوقات الله، لم يتمكّن سوى الإنسان من التحدّث مع الله. للإنسان آذانٌ تُمكّنه من السمع، وعيونٌ تُمكّنه من الرؤية، ولديه لغته وأفكاره الخاصة وإرادته الحرّة. إنه يمتلك كل ما هو مطلوبٌ لسماع ما يقوله الله وفهم إرادته وقبول تكليفه، وهكذا يمنح الله جميع أمانيه للإنسان، ويريد أن يجعل الإنسان رفيقًا بوحدانيّة الذهن معه ويمكنه السير معه. منذ بداية تدبير الله، كان ينتظر من الإنسان أن يُسلّم له قلبه وأن يدعوه لتطهيره وتجهيزه وأن يكون مُرضيًا أمامه ومحبوبًا لديه وأن يتّقيه ويحيد عن الشرّ. لطالما تطلّع الله إلى هذه النتيجة وانتظرها. هل يوجد مثل هؤلاء الأشخاص في قصص الكتاب المُقدّس؟ أي، هل هناك أيّ أشخاصٍ في الكتاب المقُدّس يمكنهم تسليم قلوبهم لله؟ هل هناك أيّة سابقةٍ قبل هذا الزمان؟ دعونا نواصل اليوم قراءة قصص الكتاب المُقدّس ونلقي نظرةً على ما إذا كان ما فعله هذا الشخص- أيُّوب- له أيّة صلةٍ بموضوع «تسليم القلب لله» الذي نتحدّث عنه اليوم. دعونا نرى ما إذا كان أيُّوب مُرضيًا لله ومحبوبًا لديه.

ما انطباعكم عن أيُّوب؟ نقلًا عن النصّ الأصليّ، يقول بعض الناس إن أيُّوب كان «يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». «يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ»: هذا هو التقييم الأصليّ لأيُّوب كما هو مُسجّل في الكتاب المُقدّس. إذا استخدمتم كلماتكم الخاصة، كيف ستصفون أيُّوب؟ يقول بعض الناس إن أيُّوب كان رجلًا صالحًا راشدًا؛ ويقول البعض إنه كان لديه إيمانٌ حقيقيّ بالله. يقول البعض إن أيُّوب كان رجلًا صالحًا خيّرًا. لقد رأيتم إيمان أيُّوب، وهذا يعني أنه في قلوبكم تولون إيمان أيُّوب أهمّيّة كبيرة وتحسدونه عليه. دعونا اليوم إذًا نلقي نظرةً على ما كان يمتلكه أيُّوب ويسّر الله. وبعد ذلك، دعونا نقرأ الآيات الكتابيّة أدناه.

ج. أيُّوب

1. تقييم الله والكتاب المُقدّس لأيُّوب

(أيُّوب 1:1) كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ.

(أيُّوب 5:1) وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ.

(أيُّوب 8:1) فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ».

ما النقطة الأساسيّة التي ترونها في هذه الفقرات؟ تتعلّق هذه المقتطفات الثلاثة المختصرة من الكتاب المُقدّس كلها بأيُّوب. وعلى الرغم من أنها قصيرة، إلا أنها تكشف بوضوحٍ نوع شخصيّته. من خلال وصفها لسلوك أيُّوب اليوميّ وتصرّفه، فإنها تُخبِر الجميع أن تقييم الله لأيُّوب لم يكن بلا أساسٍ ولكنه كان مُبرّرًا. تُخبِرنا أنه سواء كان تقييم الإنسان لأيُّوب (أيُّوب 1:1) أو تقييم الله لأيُّوب (أيُّوب 8:1)، فكلاهما نتاجٌ لأفعال أيُّوب أمام الله والإنسان (أيُّوب 5:1).

أولًا، دعونا نقرأ الآية الأولى: «كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». هذه الآية هي التقييم الأول لأيُّوب في الكتاب المُقدّس، وهي تقييم الكاتب لأيُّوب. وبطبيعة الحال، فإنها تُمثّل أيضًا تقييم الإنسان لأيُّوب: «وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». دعونا بعد ذلك نقرأ تقييم الله لأيُّوب: «لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ» (أيُّوب 8:1). من بين التقييمين، جاء تقييمٌ من الإنسان وجاء التقييم الآخر من الله. هذان التقييمان لهما المحتوى نفسه. يمكن أن نرى، إذًا، أن سلوك أيُّوب وتصرّفه كانا معروفان للإنسان، كما كانا مصدر إشادةٍ من الله. وهذا يعني أن سلوك أيُّوب أمام الإنسان وسلوكه أمام الله هما السلوك نفسه. لقد وضع سلوكه وحافزه أمام الله في جميع الأوقات، بحيث يمكن أن يلاحظهما الله، كما أنه كان يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. وهكذا، في نظر الله، لم يكن سوى أيُّوب من بين الناس على وجه الأرض من كان كاملًا ومستقيمًا ومن كان يتّقي الله ويحيد عن الشرّ.

مظاهر مُعيّنة من اتّقاء أيُّوب الله وحياده عن الشرّ في حياته اليوميّة

دعونا بعد ذلك نلقي نظرةً على مظاهر مُعيّنة لاتّقاء أيُّوب الله وحياده عن الشرّ. بالإضافة إلى المقاطع السابقة واللاحقة، دعونا أيضًا نقرأ أيُّوب 5:1، وهي أحد المظاهر المُعيّنة لاتّقاء أيُّوب الله وحياده عن الشرّ. إنها تتعلّق بكيفيّة اتّقاء أيُّوب الله وحياده عن الشرّ في حياته اليوميّة؛ وأكثر هذه الأمور وضوحًا أنه لم يكتفِ بعمل ما كان يجب عمله نتيجة اتّقاءه الله وحياده عن الشرّ، بل أنه كان يُصعِد بانتظامٍ محرقات أمام الله عن أبنائه. كان يخشى من أن يكون أبناؤه «رُبَّمَا أَخْطَأَ[وا] ... وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ» في أيام الوليمة. وكيف ظهر هذا الخوف عند أيُّوب؟ يُقدّم النصّ الأصليّ الرواية التالية: «وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ». يُبيّن لنا تصرّف أيُّوب أن اتّقاءه الله، علاوة على كونه متجلّيًا في سلوكه الخارجيّ، كان نابعًا من داخل قلبه ويمكن إيجاده في كل جانبٍ من جوانب حياته اليوميّة، وفي جميع الأوقات، لأنه لم يكن يحد عن الشرّ فحسب، بل كان كثيرًا ما يُصعِد محرقات أمام الله عن أبنائه. وهذا يعني أن أيُّوب لم يكن خائفًا خوفًا شديدًا من الخطيّة أمام الله والتجديف على الله في قلبه، ولكنه كان مهمومًا أيضًا من أن يكون أبناؤه قد أخطأوا أمام الله وجدّفوا عليه في قلوبهم. يمكن أن نرى من هذا أن حقيقة اتّقاء أيُّوب الله تصمد أمام الفحص الدقيق، وأبعد من شكّ أيّ إنسانٍ. هل كان يفعل ذلك في قليلٍ أم كثيرٍ من الأحيان؟ تقول الجملة الأخيرة من النصّ: «هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ». هذه الكلمات تعني أن أيُّوب لم يكن يذهب وينظر أبناءه من حينٍ لآخر، أو عندما كان يروق له الأمر، ولم يكن يعترف لله من خلال الصلاة. بدلًا من ذلك، كان يُرسِل بانتظامٍ ويُقدّس أبناءه ويُصعِد محرقات عنهم. لا يعني تعبير «كُلَّ الأَيَّامِ» هنا أنه فعل ذلك لمدة يومٍ أو يومين، أو للحظاتٍ. ولكنه يعني أن إظهار اتّقاء أيُّوب الله لم يكن مُؤقّتًا ولم يتوقّف عند المعرفة أو الكلام المنطوق؛ ولكن بدلًا من ذلك، كان طريق اتّقاءه الله وحياده عن الشرّ يُوجّه قلبه ويُملي عليه سلوكه، وكان، في قلبه، جذر وجوده. كان ما يعمله كل الأيام يُظهِر أنه، في قلبه، كان يخشى في كثيرٍ من الأحيان أن يكون هو نفسه قد أخطأ أمام الله، كما كان يخشى أن يكون أبناؤه وبناته قد أخطأوا أمام الله. إنها تُمثّل مدى تطبّع قلبه بطريق اتّقاء الله والحيد عن الشرّ. كان يفعل هذا كل الأيام لأنه، في قلبه، كان مرتعدًا وخائفًا من أن يكون قد صنع الشرّ وأخطأ أمام الله ومن أن يكون قد حاد عن طريق الله وبالتالي لم يكن بإمكانه إرضاء الله. وفي الوقت نفسه، كان مهمومًا بشأن أبنائه وبناته، خوفًا من أن يكونوا قد أخطأوا أمام الله. كان هذا هو سلوك أيُّوب الطبيعيّ في حياته اليوميّة. وهذا السلوك الطبيعيّ بالضبط هو ما يُبرهِن على أن اتّقاء أيُّوب الله وحياده عن الشرّ ليسا كلمات فارغة، وأن أيُّوب عاش بالفعل مثل هذا الواقع. «هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ»: تُخبِرنا هذه الكلمات بأفعال أيُّوب اليوميّة أمام الله. عندما كان يعمل ذلك كل الأيام، هل وصل سلوكه وقلبه أمام الله؟ أيّ هل كان الله راضيًا أحيانًا عن قلبه وسلوكه؟ وبعد ذلك، في أيّة حالةٍ وفي أيّ سياقٍ كان أيُّوب يعمل ذلك كل الأيام؟ يقول بعض الناس إن السبب وراء ذلك هو أن الله كان يتراءى لأيُّوب في كثيرٍ من الأحيان؛ ويقول البعض إنه كان يفعل ذلك كل الأيام لأنه كانه يحيد عن الشرّ؛ ويقول البعض إنه ربّما اعتقد أن ثروته لم تأتِ بسهولةٍ وكان يعلم أن الله منحه إياها ولذلك كان يخشى بشدّةٍ من فقدان ممتلكاته نتيجة الخطيّة أمام الله أو التجديف عليه. هل أيٌّ من هذه الادعاءات صحيحٌ؟ لا بالطبع. لأن أكثر ما كان يقبله الله ويُقدّره في قلبه تجاه أيُّوب ليس فقط أنه كان يفعل ذلك كل الأيام؛ ولكن بالأحرى سلوكه أمام الله والإنسان والشيطان عندما تم تسليمه للشيطان لتجربته. تُقدّم الأقسام أدناه أكثر الأدلة إقناعًا، وهو الدليل الذي يُبيّن لنا حقيقة تقييم الله لأيُّوب. وبعد ذلك، دعونا نقرأ المقاطع التالية من الكتاب المُقدّس.

2. الشيطان يُجرّب أيُّوب للمرة الأولى (سرقة ماشيته والبلوى التي تحلّ بأبنائه)

أ. الكلمات التي تكلّم بها الله

(أيُّوب 8:1) فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ».

(أيُّوب 12:1) فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ».

ب. ردّ الشيطان

(أيُّوب 9:1-11) فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ».

الله يسمح للشيطان بتجربة أيُّوب حتّى يتكمّل إيمان أيُّوب

أيُّوب 8:1 أول سجّلٍ نراه في الكتاب المُقدّس للحوار بين يهوه الله والشيطان. ماذا قال الله؟ يُقدّم النصّ الأصليّ الرواية التالية: «فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». كان هذا تقييم الله لأيُّوب أمام الشيطان؛ قال الله إن أيُّوب كان رجلًا كاملًا مستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. قبل هذه الكلمات بين الله والشيطان، كان الله قد قرّر أنه سيستخدم الشيطان لتجربة أيُّوب، أي أنه سوف يُسلّم أيُّوب إلى الشيطان. في أحد الجوانب، سوف يُثبِت هذا أن ملاحظة الله وتقييمه لأيُّوب كانا دقيقين وبدون أيّ خطأ، ومن شأنهما فضح الشيطان من خلال شهادة أيُّوب. ومن أحد الجوانب الأخرى، سوف يجعل إيمان أيُّوب واتّقاءه الله مكتملين. وهكذا، عندما جاء الشيطان أمام الله لم يراوغه الله. تكلّم مباشرةً وسأل الشيطان: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». يكمن المعنى التالي في سؤال الله: عرف الله أن الشيطان قد جال جميع الأماكن، وكثيرًا ما تجسّس على أيُّوب، الذي كان خادمًا لله. غالبًا ما جرّب الشيطان أيُّوب وهاجمه، محاولًا العثور على طريقةٍ لتخريب حياته وإثبات أن إيمانه بالله واتّقاءه إياه لا يمكنهما الصمود. سعى الشيطان أيضًا بسهولةٍ وراء فرصٍ لإهلاك أيُّوب حتّى يمكن لأيُّوب التجديف على الله ويمكن للشيطان التسلّط عليه من يد الله. ومع ذلك، نظر الله قلب أيُّوب ورأى أنه كاملٌ ومستقيم، وأنه يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. استخدم الله سؤالاً لإخبار الشيطان بأن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، وأن أيُّوب لن يُجدّف أبدًا على الله ويتبع الشيطان. بعد أن سمع الشيطان تقييم الله لأيُّوب اغتاظ غيظًا نابعًا من الإذلال وأصبح أكثر غضبًا ولم يعد يطق صبرًا لاختطاف أيُّوب، لأن الشيطان لم يعتقد قط أن شخصًا ما يمكنه أن يكون كاملًا ومستقيمًا أو أن يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. في الوقت نفسه، كان الشيطان يكره كمال الإنسان واستقامته، ويكره الناس الذين قد يتّقون الله ويحيدون عن الشرّ. وهكذا يرد في أيُّوب 9:1-11: فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». كان الله على درايةٍ تامة بطبيعة الشيطان الشريرة، وكان يعرف جيّدًا أن الشيطان كان يعتزم منذ فترةٍ طويلة إهلاك أيُّوب، وهكذا تمنّى الله في هذا، من خلال إخبار الشيطان مرةً أخرى أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، أن يكشف الشيطان عن وجهه الحقيقيّ بأن يهاجم أيُّوب ويُجرّبه. وهذا يعني أن الله أكّد عمدًا على أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، وبهذه الطريقة جعل الشيطان يهاجم أيُّوب بسبب كراهية الشيطان وحقده تجاه حقيقة أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. ونتيجةً لذلك، كان الله سيجلب العار على الشيطان من خلال حقيقة أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، وسوف يُترك الشيطان مهانًا ومهزومًا تمامًا. بعد ذلك، لم يعد الشيطان يشكّ أو يُوجّه اتّهامات بخصوص كمال أيُّوب أو استقامته أو اتّقائه الله أو حيدانه عن الشرّ. بهذه الطريقة، كانت تجربة الله وإغواء الشيطان حتميّين تقريبًا. كان الشخص الوحيد القادر على احتمال تجربة الله وإغواء الشيطان هو أيُّوب. حصل الشيطان بعد هذا الحوار على الإذن بإغواء أيُّوب. وهكذا بدأت جولة الشيطان الأولى من الهجمات. كان الهدف من هذه الهجمات هو امتلاك أيُّوب، لأن الشيطان كان قد قدّم الاتّهام التالي ضد أيُّوب: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ ... بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ». ونتيجةً لذلك، سمح الله للشيطان بأن يأخذ كل ما كان لدى أيُّوب-وهو الهدف الوحيد لسبب حديث الله مع الشيطان. ومع ذلك، طلب الله من الشيطان طلبًا واحدًا: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». (أيُّوب 12:1). كان هذا هو الشرط الذي قدّمه الله بعد أن سمح للشيطان بإغواء أيُّوب وبعد أن وضع أيُّوب في يد الشيطان، وكان هو الحدّ الذي وضعه للشيطان: أمر الله الشيطان بألا يؤذي أيُّوب. أدرك الله أن أيُّوب كان رجلًا كاملًا مستقيمًا، وكان واثقًا من أن كمال أيُّوب واستقامته أمامه لا شكّ فيهما ويمكنهما اجتياز الاختبار. وهكذا، سمح الله للشيطان بإغواء أيُّوب، لكنه فرض قيدًا على الشيطان: سُمِح للشيطان بأن يأخذ جميع ممتلكات أيُّوب، لكنه لم يستطع وضع يديه عليه. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الله لم يُسلّم أيُّوب تمامًا إلى الشيطان. كان يمكن للشيطان إغواء أيُّوب بأيّة طريقةٍ أرادها، ولكن لم يكن بإمكانه أن يؤذي أيُّوب نفسه، ولا حتّى شعرة واحدة على رأسه، لأن الله يتحكّم بكل ما في الإنسان، ويتحكّم في ما إذا كان الإنسان يعيش أو يموت، والشيطان ليس لديه هذا الامتياز. بعد أن قال الله هذه الكلمات إلى الشيطان، لم يسع الشيطان الانتظار حتّى يبدأ. استعمل كل وسيلةٍ لإغواء أيُّوب، وسرعان ما فقد أيُّوب أغنامه وثيرانه وجميع ممتلكاته التي منحها الله إياه ... هكذا جاءت تجارب الله عليه.

على الرغم من أن الكتاب المُقدّس يخبرنا عن أصول تجربة أيُّوب، هل كان أيُّوب نفسه، الشخص الذي تعرّض لهذه الإغواءات، مدركًا لما كان يحدث؟ كان أيُّوب مُجرّد إنسان. بالطبع لم يكن يعرف شيئًا عن القصة التي تتكشّف من ورائه. ومع ذلك، فإن اتّقاءه الله وكماله واستقامته جعله يُدرِك أن تجارب الله قد حلّت عليه. لم يكن يعرف ما حدث في العالم الروحيّ، ولا نوايا الله وراء هذه التجارب. لكنه كان يعلم أنه بغضّ النظر عما حدث له، فإنه يجب أن يتوافق مع كماله واستقامته، وأن يلتزم بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. كان موقف أيُّوب وردّ فعله تجاه هذه الأمور واضحين أمام الله. وماذا رأى الله؟ رأى قلب أيُّوب الذي يتّقي الله، لأنه من البداية لحين تجربة أيُّوب بقي قلب أيُّوب مفتوحًا لله ومنبسطًا أمام الله، ولم يتخلّ أيُّوب عن كماله أو استقامته، ولم يحد أو يبتعد عن طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ-ولم يكن هناك شيءٌ أكثر من ذلك يمكن أن يكون مُرضيًا لله. بعد ذلك، سوف ننظر إلى ماهية التجارب التي تعرّض لها أيُّوب وكيف تعامل معها. دعونا نقرأ الكتاب المُقدّس.

ج. ردّ فعل أيُّوب

(أيُّوب 20:1-21) فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ: «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا».

قرار أيُّوب بإعادة كل ما يملكه نابعٌ من اتّقائه الله

بعد أن قال الله للشيطان: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ»، غادر الشيطان، وبعدها بفترةٍ وجيزة تعرّض أيُّوب لهجومٍ مفاجئ وشرس: أولًا، نُهِبَت ثيرانه وحميره وقُتِلَ عبيده؛ وبعد ذلك، أُحرقت خرافه وعبيده لحدّ الدمار؛ وبعد ذلك، أُخذت جِماله وقُتِلَ عبيده؛ وأخيرًا، مات أبناؤه وبناته. كانت هذه السلسلة من الهجمات هي العذاب الذي عانى منه أيُّوب أثناء الإغواء الأول. وبحسب أمر الله، لم يستهدف الشيطان خلال هذه الهجمات سوى ممتلكات أيُّوب وأولاده، ولم يؤذِ أيُّوب نفسه. ومع ذلك، تحوّل أيُّوب على الفور من رجلٍ غنيّ يمتلك ثروة عظيمة إلى شخصٍ لم يكن لديه أيّ شيءٍ. لم يكن بمقدور أحدٍ أن يقاوم هذه الضربة المفاجئة المذهلة أو التعامل معها تعاملًا صحيحًا، إلا أن أيُّوب أظهر جانبه الاستثنائيّ. يُقدّم الكتاب المُقدّس الوصف التالي: «فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ». كان هذا أول ردّ فعلٍ لأيُّوب بعد سماعه أنه فقد أبناءه وجميع ممتلكاته. في الأساس، لم يبدُ متفاجئًا أو مصابًا بالذعر، ناهيك عن أنه لم يُعبّر عن غضبه أو كراهيته. ترى، إذًا، أنه أدرك بالفعل في قلبه أن هذه الكوارث لم تحدث بالمصادفة أو تسبّبت بها يد الإنسان، وبالطبع لم تكن نتيجة جزاءٍ أو عقاب. وبدلًا من ذلك، حلّت عليه تجارب يهوه؛ كان يهوه هو من أراد أخذ ممتلكاته وأولاده. كان أيُّوب هادئًا جدًّا وصافي الذهن في ذلك الوقت. مكّنته شخصيّته الكاملة المستقيمة من اتّخاذ أحكامٍ وقرارات دقيقة بصورةٍ عقلانيّة وطبيعيّة بخصوص المصائب التي حلّت به، ونتيجةً لذلك، تصرّف بهدوءٍ غير عاديّ: «فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ». «مَزَّقَ جُبَّتَهُ» تعني أنه كان عريانًا ولا يملك أيّ شيءٍ؛ و«جَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ» تعني أنه عاد أمام الله مثل طفلٍ حديث الولادة؛ و«خَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ» تعني أنه جاء إلى العالم عريانًا وما زال ليس لديه أيّ شيءٍ اليوم وأنه عاد إلى الله مثل طفلٍ حديث الولادة. لم يكن من الممكن لأيّ مخلوقٍ من مخلوقات الله أن يكون له موقف أيُّوب تجاه كل ما أصابه. إيمانه بيهوه تجاوز عالم الإيمان؛ كان هذا اتّقاؤه الله وطاعته إياه، ولم يكن بمقدوره فقط شكر الله على ما يعطيه بل أيضًا على ما يأخذه منه. والأهمّ من ذلك أنه تمكّن من أن يأخذ على عاتقه إعادة كل ما يملكه، بما في ذلك حياته.

اتّقاء أيُّوب الله وطاعته إياه مثالٌ للجنس البشريّ، كما أن كماله واستقامته كانا ذروة المثال الإنسانيّ الذي يجب أن يتّسم به الإنسان. على الرغم من أنه لم يرَ الله، إلا أنه أدرك أنه موجودٌ بالفعل، وبسبب هذا الإدراك كان يتّقي الله-وبسبب اتقائه الله استطاع أن يطيعه. سمح لله بأن يأخذ كل ما لديه، ولكنه لم يكن يشتكِ، كما أنه سجد أمام الله وأخبره أنه في هذه اللحظة حتّى لو أخذ الله جسده فسوف يسرّه أن يسمح له بذلك دون شكوى. كان سلوكه كله يرجع لشخصيّته الكاملة المستقيمة. وهذا يعني أنه نتيجة لبرائة أيُّوب وأمانته ولطفه، فإنه كان راسخًا في إدراكه واختباره لوجود الله، وعلى هذا الأساس أخضع نفسه ووحّد تفكيره وسلوكه وتصرّفه ومباديء أعماله أمام الله وفقًا لإرشاد الله له وأعمال الله التي رآها من بين جميع الأشياء. ومع مرور الوقت، ولّدت تجاربه فيه اتّقاءً حقيقيًا وفعليًا لله وجعلته يحيد عن الشرّ. كان هذا هو مصدر الاستقامة التي تمسّك بها أيُّوب. كان أيُّوب يتّسم بشخصيّةٍ مستقيمة بريئة طيّبة، وكانت لديه تجربةٌ فعليّة من اتّقاء الله وطاعته والحيدان عن الشرّ، بالإضافة إلى معرفة أن «الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ». وبفضل هذه الأشياء وحدها استطاع الثبات والشهادة وسط هجمات الشيطان الشريرة هذه، وبفضلها وحدها لم يُخيّب أمل الله بل قدّم إجابة مُرضية لله عندما حلّت به تجارب الله. على الرغم من أن سلوك أيُّوب أثناء الإغواء الأول كان واضحًا جدًا، إلا أن الأجيال اللاحقة لم تتمكّن من بلوغ هذا القدر من الوضوح حتّى بعد مجهودٍ طويل الأمد، كما أنها لم تكن بالضرورة تتّسم بسلوك أيُّوب الموصوف أعلاه. واليوم، بمواجهة سلوك أيُّوب الصريح، وبمقارنته مع صرخات وصيحات «الطاعة المطلقة والولاء حتّى الموت» التي يُظهِرها لله أولئك الذين يدّعون الإيمان به واتّباعه، هل تشعرون بالخجل الشديد أم لا؟

عندما تقرأ في الكتاب المُقدّس عن كل ما عاناه أيُّوب وعائلته، ما ردّ فعلك؟ هل تتوه في أفكارك؟ هل تشعر بالذهول؟ هل يمكن وصف التجارب التي أصابت أيُّوب بأنها «مرعبة»؟ هذا يعني أنه من المُروّع بما فيه الكفاية قراءة تجارب أيُّوب كما هي موصوفةٌ في الكتاب المُقدّس وعدم وصف كيفيّة حدوثها في الواقع. ترى، إذًا، أن ما أصاب أيُّوب لم يكن «تدريبًا عمليًا» بل «معركة» حقيقيّة تتضمّن «مسدّسات» و«رصاصات» حقيقيّة. ولكن بيد من خضع لهذه التجارب؟ لقد نفّذها الشيطان، بالطبع، شخصيًّا، ولكن بإذنٍ من الله. هل أخبر الله الشيطان بأيّة طرقٍ يُجرّب أيُّوب؟ لم يفعل ذلك. أعطاه الله شرطًا واحدًا فحسب، وبعد ذلك تعرّض أيُّوب للتجربة. عندما تعرّض أيُّوب للتجربة، شعر الناس بشرّ الشيطان وبشاعته، وبخبثه وكراهيته للإنسان، وبعدائه لله. نرى في هذا أن الكلمات لا يمكنها وصف مدى قسوة هذه التجربة. يمكن القول إن الطبيعة الشريرة التي أساء بها الشيطان للإنسان ووجهه القبيح انكشفا بالكامل في هذه اللحظة. استخدم الشيطان هذه الفرصة، الفرصة التي أتاحها إذن الله، لإخضاع أيُّوب للإساءة الشديدة الضارية التي لا يمكن تصوّر طريقة ومستوى وحشيّتها ولا يمكن للناس اليوم تحمّلها. بدلًا من القول بأن أيُّوب جرّبه الشيطان وظلّ ثابتًا في شهادته خلال هذه التجربة، من الأفضل القول بأنه في التجارب التي قرّرها الله لأيُّوب انبرى أيُّوب في منافسةٍ مع الشيطان لحماية كماله واستقامته، وللدفاع عن طريق اتّقائه الله والحيدان عن الشرّ. فقد أيُّوب في هذه المنافسة آلاف الأغنام والماشية، وخسر جميع ممتلكاته، وفقد أبناءه وبناته، ولكنه لم يتخلّ عن كماله أو استقامته أو اتّقائه الله. وهذا يعني أنه في هذه المنافسة مع الشيطان فضّل أن يكون محرومًا من ممتلكاته وأولاده من أن يفقد كماله واستقامته واتّقائه الله. فضّل التمّسك بجذر رجولته. يُقدّم الكتاب المُقدّس وصفًا موجزًا ​​للعمليّة بأكملها التي فقد بها أيُّوب أمواله، كما يُوثّق سلوك أيُّوب وموقفه. هذه الأوصاف المقتضبة الموجزة تُشعِرك بأن أيُّوب كان أشبه بكونه مسترخيًا في مواجهة هذه التجربة، ولكن في حال إعادة عمل ما حدث بالفعل، علاوة على الطبيعة الخبيثة للشيطان، فلن تكون الأمور بسيطة أو سهلة كما هو مُوضّحٌ في هذه العبارات. كان الواقع أشدّ قسوةٍ. هذا هو مستوى الخراب والكراهية الذي يعامل به الشيطان الجنس البشريّ وجميع من يقبلهم الله. إذا لم يكن الله قد طلب من الشيطان بعدم إيذاء أيُّوب، لكان الشيطان قد قتل أيُّوب دون شكٍّ دون أيّ ندمٍ. فالشيطان لا يريد أحدًا يعبد الله، ولا يتمنّى من أولئك الذين هم أبرارٌ في نظر الله وكاملون ومستقيمون أن يستمرّوا في اتّقائهم الله والحيدان عن الشرّ. أن يتّقي الناس الله ويحيدوا عن الشرّ معناه أنهم يتجنّبون الشيطان ويتركونه، وهكذا استفاد الشيطان من إذن الله فصبّ جام غضبه وكراهيته على أيُّوب بلا رحمةٍ. ترى، إذًا، مدى شدّة العذاب الذي عاناه أيُّوب، في عقله وجسده، ومن الخارج والداخل. لا نرى اليوم كيف كان الأمر في ذلك الوقت، ولكن يمكننا أن ننظر بلمحةٍ موجزة، من روايات الكتاب المُقدّس، مشاعر أيُّوب عندما تعرّض للعذاب في ذلك الوقت.

استقامة أيُّوب الراسخة تجلب العار على الشيطان وتجعله يهرب مذعورًا

وماذا فعل الله عندما تعرّض أيُّوب لهذا العذاب؟ راقب الله النتيجة وشاهدها وانتظرها. فيما كان الله يراقب ويشاهد، ماذا كان شعوره؟ شعر بالأسى الشديد، بالطبع. ولكن، نتيجةً لحزنه، هل من الممكن أنه قد نَدِمَ على إذنه للشيطان بتجربة أيُّوب؟ الجواب، لا، لا يمكن أن يكون قد نَدِمَ. لأنه يعتقد اعتقادًا راسخًا أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. أعطى الله الشيطان ببساطةٍ فرصة التحقّق من برّ أيُّوب أمام الله، والكشف عن شرّ الشيطان وحقارته. علاوة على ذلك، كانت هذه فرصةٌ لأيُّوب بالشهادة على برّه واتّقائه الله وحيدانه عن الشرّ أمام شعوب العالم والشيطان وحتّى أولئك الذين يتبعون الله. هل أثبتت النتيجة النهائيّة أن تقييم الله أيُّوب كان صحيحًا وبدون خطأ؟ هل غلب أيُّوب الشيطان فعليًّا؟ نقرأ هنا الكلمات الأصليّة التي قالها أيُّوب، وهي كلماتٌ تُثبِت أنه غلب الشيطان. قال: «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ». هذا هو موقف أيُّوب من الطاعة تجاه الله. ثم قال: «الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا». هذه الكلمات التي قالها أيُّوب تُثبِت أن الله يلاحظ أعماق قلب الإنسان، وأنه قادرٌ على النظر في عقل الإنسان، وتُثبِت أن قبوله أيُّوب لا خطأ فيه، وأن هذا الرجل الذي قبله الله كان بارًا. «الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا». هذه الكلمات هي شهادة أيُّوب عن الله. كانت هذه الكلمات العاديّة هي التي روّعت الشيطان وجلبت عليه العار وجعلته يهرب مذعورًا، وعلاوة على ذلك، كبّلت الشيطان وتركته دون موارد. وهكذا أيضًا، جعلت هذه الكلمات الشيطان يشعر بعجائب وقوّة عمل يهوه الله، وسمحت له بإدراك الكاريزما الاستثنائيّة لشخصٍ يحكم قلبه طريق الله. علاوة على ذلك، أظهرت للشيطان الحيوّية الهائلة التي أظهرها رجلٌ صغير غير ذي أهمّيّةٍ في التمسّك بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. وهكذا انهزم الشيطان في المنافسة الأولى. على الرغم من «البصيرة الثاقبة» للشيطان، إلا أنه لم تكن لديه أيّة نيةٍ لترك أيُّوب، ولم يكن هناك أيّ تغييرٍ في طبيعته الشريرة. حاول الشيطان الاستمرار في مهاجمة أيُّوب، وهكذا جاء مرةً أخرى أمام الله...

دعونا، بعد ذلك، نقرأ الكتاب المُقدّس بخصوص التجربة الثانية لأيُّوب.

3. الشيطان يُجرّب أيُّوب مرةً أخرى (قروحٌ تملأ جسم أيُّوب)

أ. كلمات الله

(أيُّوب 3:2) فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ».

(أيُّوب 6:2) فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ».

ب. كلمات الشيطان

(أيُّوب 4:2-5) فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ».

ج. كيفيّة تعامل أيُّوب مع التجربة

(أيُّوب 9:2-10) فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: «أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!». فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟». فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ».

«لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل».

محبّة أيُّوب طريق الله تفوق كل شيءٍ

يُوثّق الكتاب المُقدّس الكلمات بين الله والشيطان على النحو التالي: فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ» (أيُّوب 3:2). يُكرّر الله في هذا الحوار السؤال نفسه للشيطان. إنه سؤالٌ يُبيّن لنا تقييم يهوه الله الإيجابيّ لما أظهره أيُّوب وعايشه أثناء التجربة الأولى، وهو لا يختلف عن تقييم الله لأيُّوب قبل خضوعه لإغواء الشيطان. وهذا يعني أنه قبل أن تحلّ التجربة بأيُّوب كان في نظر الله كاملًا، وبالتالي حفظه الله وحفظ عائلته وباركه؛ كان أيُّوب يستحقّ البركة في نظر الله. وبعد التجربة، لم يخطئ أيوب بشفتيه بسبب أنه فقد ممتلكاته وأولاده، لكنه استمرّ في شكر اسم يهوه. سلوكه الحقيقيّ جعل الله يمدحه ويمنحه مكانة خاصة. كان أيُّوب يعتبر أن نسله أو أمواله لم تكن كافية لتجديفه على الله. وهذا يعني أن مكان الله في قلبه لا يمكن أن يحلّ محلّه أولاده أو أيّ جزءٍ من ممتلكاته. أثناء تجربة أيُّوب الأولى، أظهر لله أن محبّته له ومحبّته لطريق اتّقائه وحيدانه عن الشرّ تجاوزت كل شيءٍ آخر. منحت هذه التجربة وحدها أيُّوب خبرة قبول عطيّة من يهوه الله وإمكانيّة أن يأخذ الله أملاكه وأولاده.

اعتبر أيُّوب هذه التجربة اختبارًا حقيقيًّا نظّف روحه، وكانت معموديّة للحياة حقّقت وجوده، والأهمّ من ذلك، كانت وليمة فخمة اختبرت طاعته لله واتّقاءه إياه. حوّلت هذه التجربة مكانة أيُّوب من رجلٍ غنيّ إلى شخصٍ لا يملك أيّ شيءٍ، كما سمحت له باختبار سوء معاملة الشيطان للجنس البشريّ. لم يجعله عوزه يمقت الشيطان، ولكنه بالأحرى رأى في أعمال الشيطان الشريرة قبحه وحقارته، بالإضافة إلى عداوة الشيطان لله وتمرّده عليه، وهذا ما شجّعه بشكلٍ أفضل على التمسّك الدائم بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. أقسم بأنه لن يتخلّى عن الله ويحيد عن طريق الله بسبب عوامل خارجيّة مثل الملكيّة أو الأولاد أو الأقارب، ولن يكون عبدًا للشيطان أو للملكيّة أو لأيّ شخصٍ. بغضّ النظر عن يهوه الله، لا يمكن لأحدٍ أن يكون ربًّا له أو إلهًا. كانت هذه آمال أيُّوب. ومن الناحية الأخرى للتجربة، حصل أيُّوب أيضًا على شيءٍ ما: اكتسب ثراءً هائلًا في وقت التجارب التي سمح بها الله.

خلال حياة أيُّوب على مدى العقود العديدة السابقة، تأمّل أفعال يهوه واستحقّ بركات يهوه الله له. وقد جعلته هذه البركات يشعر بالحيرة الشديدة والفضل الجزيل، لأنه كان يؤمن أنه لم يفعل أيّ شيءٍ من أجل الله ومع ذلك رُزِقَ بمثل هذه البركات الوفيرة وتمتّع بموفور النعمة. ولهذا السبب، كان غالبًا ما يُصلّي في قلبه آملًا من أن يتمكّن من ردّ الجميل لله ومن أن تُتاح له الفرصة للشهادة لأعمال الله وعظمته ومن أن يضع الله طاعته موضع اختبارٍ، وعلاوة على ذلك، من أن يتطهّر إيمانه إلى أن يقبل الله طاعته وإيمانه. وعندما حلّت التجربة بأيُّوب، آمن أن الله سمع صلواته. قدّر أيُّوب هذه الفرصة أكثر من أيّ شيءٍ آخر، وبالتالي لم يجرؤ على التساهل معها، لأن أعظم أمنيةٍ لديه ها هي تتحقّق. كان وصول هذه الفرصة يعني أن طاعته واتّقاءه الله يمكن اختبارهما وتمحيصهما. وعلاوة على ذلك، كان الأمر يعني أن أيُّوب نال قبول الله، ممّا جعله أقرب إلى الله. خلال التجربة، سمح له هذا الإيمان وهذا السعي أن يصبح أكثر كمالًا، وأن يفهم إرادة الله فهمًا أفضل. أصبح أيُّوب أيضًا أكثر امتنانًا لبركات الله ونعمه، وكان قلبه يفيض بتسبيح أعمال الله، وكان أكثر اتّقاءً لله وتبجيلًا له، كما أنه كان يتوق أكثر لمحبّة الله وعظمته وقداسته. في هذا الوقت، على الرغم من أن أيُّوب كان لا يزال يتّقي الله ويحيد عن الشرّ في نظر الله، فإنه فيما يتعلّق بتجاربه زاد إيمان أيوب ومعرفته بما لا يُقاس: ازداد إيمانه وترسّخت طاعته وأصبح اتّقاؤه الله أعمق. على الرغم من أن هذه التجربة حوّلت روح أيُّوب وحياته، إلا أن هذا التحوّل لم يُرضِه ولم يُبطئ تقدّمه للأمام. في وقت حسابه لما كسبه من هذه التجربة، والنظر في عيوبه الخاصة، كان يُصلّى بهدوءٍ منتظرًا أن تحلّ به التجربة التالية، لأنه كان يتوق لزيادة مستوى إيمانه وطاعته واتّقائه الله خلال التجربة اللاحقة من الله.

يلاحظ الله الأفكار العميقة للإنسان وكل ما يقوله الإنسان ويفعله. وصلت أفكار أيُّوب مسامع يهوه الله، واستمع الله إلى صلواته، وبهذه الطريقة حلّت تجربة الله اللاحقة كما كان مُتوقّعًا.

وسط المعاناة الشديدة يُدرِك أيُّوب حقًّا رعاية الله للبشريّة

بعد أسئلة يهوه الله للشيطان، كان الشيطان سعيدًا في الخفاء. كان ذلك لأن الشيطان عرف أنه سوف يُسمَح له مرةً أخرى بالهجوم على الرجل الذي كان كاملًا في نظر الله-وكانت هذه فرصةٌ نادرة للشيطان. أراد الشيطان استغلال هذه الفرصة لتقويض قناعة أيُّوب بالكامل، وجعله يفقد إيمانه بالله، ومن ثم لا يعد يتّقي الله أو يبارك اسم يهوه. كان هذا من شأنه أن يمنح الشيطان فرصة: بغضّ النظر عن المكان أو الزمان، سوف يكون بإمكان الشيطان أن يجعل أيُّوب ألعوبة تحت أمره. أخفى الشيطان مُخطّطاته الشريرة دون أن يترك أثرًا، لكنه لم يستطع إخفاء طبيعته الشريرة. تظهر هذه الحقيقة في ردّه على كلام يهوه الله، كما هو مُسجّلٌ في الكتاب المُقدّس: «فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ» (أيُّوب 4:2-5). من المستحيل عدم اكتساب معرفة جوهريّة وإحساس بخبث الشيطان وخزيه من هذا الحوار بين الله والشيطان. بعد سماع هذه المغالطات من الشيطان، فإن جميع من يحبّون الحقيقة ويمقتون الشرّ سوف يكون لديهم دون شكٍّ كراهية أكبر لسفالة الشيطان ووقاحته، وسوف يشعرون بالفزع والاشمئزاز من مغالطات الشيطان، وفي الوقت نفسه سوف يرفعون صلوات حارة وأمنيات قلبيّة من أجل أيُّوب، داعين أن يتمكّن هذا الرجل البار من بلوغ الكمال، ومتمنين لهذا الرجل الذي يتّقي الله ويحيد عن الشرّ أن يتغلّب دائمًا على إغواءات الشيطان ويحيا في النور ويحيا في ظلّ إرشاد الله وبركاته؛ كما يتمنون أن تُحفّز أعمال أيُّوب الصالحة وتُشجّع جميع من يسعون في طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. على الرغم من أن نيّة الشيطان الخبيثة يمكن رؤيتها في هذا الإعلان، إلا أن الله وافق على «طلب» الشيطان مسرورًا، ولكن كان لديه أيضًا شرطٌ واحد: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ» (أيُّوب 6:2). لأن الشيطان طلب في هذه المرة أن يمدّ يده ليؤذي جسد أيُّوب وعظامه، قال له الله: «وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ». هذه الكلمات تعني أن الله أخضع جسد أيُّوب للشيطان لكنه احتفظ بحياته. لم يستطع الشيطان أن يأخذ حياة أيُّوب، ولكن بصرف النظر عن ذلك استطاع الشيطان استخدام أيّة وسيلةٍ أو طريقة ضد أيُّوب.

بعد حصول الشيطان على الإذن من الله، هرع إلى أيُّوب ومدّ يده لإيذاء جسده، ممّا تسبّب في حدوث قروحٍ في جميع أنحاء جسده فشعر أيُّوب بآلامٍ في جسده. سبّح أيُّوب عظمة يهوه الله وقداسته، ممّا جعل الشيطان أكثر فظاعة في تهوّره. ولأن الشيطان شعر بفرحة إيذاء الإنسان، مدّ يده فضرب جسد أيُّوب، ممّا تسبب في تقيّح قروحه. وعلى الفور شعر أيُّوب بآلامٍ وعذاب في جسده لا مثيل لهما فلم يكن بوسعه سوى أن يحكّ قروحه من باطن قدمه إلى هامته بيده كما لو كان هذا سيُخفّف من الضربة الموجّهة على روحه من ألم جسده. أدرك أن الله كان إلى جانبه مراقبًا إياه، وبذل قصارى جهده لإقامة نفسه. ركع مرة أخرى على الأرض قائلًا: «أنت تنظر قلب الإنسان، وتلاحظ بؤسه. لماذا يُقلِقك ضعفه؟ مباركٌ اسم يهوه الله». رأى الشيطان ألم أيُّوب الذي لا يُطاق، لكنه لم يرَ أيوب يترك اسم يهوه الله. وهكذا، مد يده بسرعةٍ لضرب عظامه في محاولةٍ يائسة لتمزيق أطرافه طرفًا طرفًا. وفي لحظاتٍ شعر أيُّوب بعذابٍ لا حدود له كما لو كان جسده قد انخلع من عظامه وكما لو كانت عظامه انفصلت عن بعضها البعض. هذا العذاب المؤلم جعله يعتقد أنه من الأفضل له أن يموت ... لقد بلغت قدرته على التحمّل حدودها ... أراد أن يصرخ، أراد أن يُمزّق الجلد على جسده لتقليل الألم-ولكنه كتم صراخه ولم يُمزّق الجلد على جسده، لأنه لم يرد أن يرى الشيطان ضعفه. ولذلك ركع مرة أخرى، ولكن في هذه المرة لم يشعر بوجود يهوه الله. كان يعلم أنه كان في كثيرٍ من الأحيان أمامه، وخلفه، وعلى جانبه. ولكن خلال ألم أيُّوب لم يكن الله يشاهد ولكنه غطّى وجهه وكان مخفيًّا، لأنه لم يخلق الإنسان ليجلب له المعاناة. كان أيُّوب في هذا الوقت يبكي ويبذل قصارى جهده لتحمّل هذا العذاب الجسديّ، ومع ذلك لم يعد قادرًا على منع نفسه من تقديم الشكر لله: الإنسان يسقط في الضربة الأولى، فهو ضعيفٌ وعاجز، وصغيرٌ وجاهل. فلماذا ترغب في أن تهتمّ به وتحنو عليه؟ أنت تضربني، ولكن يؤلمك أنك تفعل ذلك. من هو الإنسان حتّى يستحقّ رعايتك واهتمامك؟ بلغت صلاة أيُّوب مسامع الله، وكان الله صامتًا إذ كان يراقب الأمر بدون صوتٍ ... بعد أن جرّب الشيطان كل خدعةٍ ممكنة دون جدوى، غادر في هدوءٍ، ولكن هذا لم يضع حدًّا لتجارب الله لأيُّوب. ولأن قوّة الله المعلنة في أيُّوب لم تُعلَن لأحدٍ، فإن قصة أيُّوب لم تنتهِ بتراجع الشيطان. وفيما أدلت شخصياتٌ أخرى بآرائها، كانت هناك المزيد من المشاهد المذهلة التي لم تنكشف بعد.

مظهرٌ آخر لاتّقاء أيُّوب الله وحيدانه عن الشرّ هو تسبيحه اسم الله في كل شيءٍ

تحمّل أيُّوب ضربات الشيطان، ومع ذلك لم يترك اسم يهوه الله. كانت زوجته أول من أخذت دور الشيطان ممّا يمكن ملاحظته بمهاجمة أيُّوب. يصف النصّ الأصليّ ذلك على النحو التالي: «فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: «أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!» (أيُّوب 9:2). كانت هذه هي الكلمات التي قالها الشيطان في شكل إنسانٍ. كانت هجومًا واتّهامًا وإغواءً وإغراءً وتشهيرًا. بعدما فشل الشيطان في مهاجمة جسد أيُّوب، هاجم كماله هجومًا مباشرًا، راغبًا في استخدام ذلك كي يتخلّي أيُّوب عن كماله ويُجدّف على الله ويموت. كما أراد الشيطان استخدام هذه الكلمات لإغواء أيُّوب: إذا تخلّى أيُّوب عن اسم يهوه فلن يكون بحاجةٍ لتحمّل مثل هذا العذاب وسوف يمكنه أن يُحرّر نفسه من عذاب الجسد. واجه أيُّوب نصيحة زوجته بتوبيخها قائلًا: فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟» (أيُّوب 10:2). كان أيُّوب يعرف هذه الكلمات منذ فترةٍ طويلة، ولكن في هذا الوقت ثبتت حقيقة معرفة أيُّوب بها.

عندما أشارت عليه زوجته بأن يبارك الله ويموت كانت تقصد: إن إلهك يعاملك هكذا، فلماذا لا تلعنه؟ ماذا تفعل وأنت حيٌّ؟ إلهك يعاملك بمنتهى الظلم وما زلت تقول مبارك اسم يهوه. كيف يجلب عليك البلاوى وأنت تبارك اسمه؟ أسرع وتخلّى عن اسم الله ولا تتبعه فيما بعد. بهذه الطريقة سوف تنتهي متاعبك. في هذه اللحظة ظهرت الشهادة التي أراد الله رؤيتها في أيُّوب. لم يستطع أيّ شخصٍ عاديّ أن يحمل هذه الشهادة، ولا نقرأها في أيٍّ من قصص الكتاب المُقدّس، ولكن الله رآها قبل فترةٍ طويلة من تحدّث أيُّوب بهذه الكلمات. أراد الله أن ينتهز هذه الفرصة ليسمح لأيُّوب بأن يثبت للجميع أن الله كان مُحقًّا. في مواجهة أيُّوب مشورة زوجته، لم يتخلّ عن كماله ولم يُجدّف على الله، وعلاوة على ذلك قال لزوجته: «أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟». هل لهذه الكلمات أهمّيّة كبيرة؟ توجد هنا حقيقةٌ واحدة فقط قادرة على إثبات أهمّيّة هذه الكلمات. إن أهمّيّة هذه الكلمات هي أنها معتمدةٌ من الله في قلبه، وهي ما أراده الله، وما أراد الله أن يسمعه، وهي النتيجة التي كان الله يتوق لرؤيتها؛ هذه الكلمات هي أيضًا جوهر شهادة أيُّوب. وفيها ثبت كمال أيُّوب وبرّه واتقّاؤه الله وحيدانه عن الشرّ. تكمن قيمة أيُّوب في الكيفيّة التي نطق بها هذه الكلمات عندما تعرّض للتجربة، وحتّى عندما تغطّى جسمه كلّه بالقروح المؤلمة، وعندما تحمّل العذاب الشديد، وعندما أشارت عليه زوجته وأقاربه. وهذا معناه أن أيُّوب، في قلبه، كان يعتقد أنه بغضّ النظر عن الإغواءات، أو مدى بشاعة المآسي أو العذاب، وحتّى إذا كان الموت سيحلّ به، فإنه لن يُجدّف على الله أو يرفض طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشر. ترى، إذًا، أن الله كان يشغل أهمّ مكانةٍ في قلبه، وأنه لم يكن سوى الله في قلبه. ولهذا السبب نقرأ مثل هذه الأوصاف عنه في الكتاب المُقدّس مثل: «فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ». ليس فقط أنه لم يخطئ بشفتيه، ولكن في قلبه لم يشتكِ من الله. لم يقل كلمات مؤذية عن الله، ولم يخطئ إلى الله. لم يكتفِ فمه بمباركة اسم الله وحسب، ولكنه في قلبه أيضًا بارك اسم الله. كان فمه وقلبه واحدًا. كان هذا أيُّوب الحقيقيّ الذي رآه الله، ولهذا السبب عينه كان الله يُقدّر أيُّوب.

الكثير من المفاهيم الخاطئة عند الناس عن أيُّوب

لم تكن المحنة التي تكبدّها أيُّوب عمل رسلٍ أرسلهم الله، ولا بسبب يد الله. ولكنها كانت بسبب الشيطان، عدو الله، شخصيًّا. وبالتالي، كان مستوى المحنة التي تكبدّها أيُّوب عميقًا. ولكن في هذه اللحظة، أظهر أيُّوب، دون تحفّظٍ، معرفته اليوميّة بالله في قلبه، ومبادئ أفعاله اليوميّة، وموقفه من الله-وهذه هي الحقيقة. إذا لم يكن أيُّوب قد تعرّض للتجربة، وإذا لم يكن الله قد حلّ بالتجارب على أيُّوب، فإنه عندما قال أيُّوب: «الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا»، لقلت إن أيُّوب منافق؛ لقد منحه الله الكثير من الأموال ولهذا بارك اسم يهوه. إذا كان أيُّوب قد قال: «أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟» قبل خضوعه للتجارب، لقلت إنه يبالغ وإنه لن يُجدّف على اسم الله لأن يد الله كثيرًا ما أنعمت عليه. وإذا كان الله قد حلّ بالبلوى عليه لكان بالتأكيد قد جدّف على اسم الله. ومع ذلك، عندما وجد أيوب نفسه في ظروفٍ لا يرغب فيها أحدٌ أو يتمنّى رؤيتها أو يرغب في أن تصيبه، ويخشى الناس في أن تصيبهم، وهي ظروفٌ لم يستطع الله نفسه تحمّلها، كان أيُّوب لا يزال قادرًا على التمسّك بكماله: «الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا»، و«أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟». في مواجهة سلوك أيُّوب في هذا الوقت، فإن أولئك الذين يُحبّون التحدّث بكلماتٍ رنّانة ويُحبّون التكلّم بالحروف والمذاهب، يبقون صامتين. أولئك الذين يُمجّدون اسم الله بالكلام فقط، ولكنهم لم يقبلوا قط تجارب الله، مدانون بالكمال الذي احتفظ به أيُّوب، وأولئك الذين لم يُصدّقوا قط أن الإنسان قادرٌ على التمسّك بطريق الله مدانون بشهادة أيُّوب. في مواجهة سلوك أيُّوب أثناء هذه التجارب والكلمات التي تكلّم بها، سوف يشعر بعض الناس بالارتباك، وسوف يشعر البعض بالحسد، وسوف يشعر البعض بالشكّ، وسوف يبدو على البعض اللامبالاة حتّى إنهم يزدرون شهادة أيُّوب لأنهم لا ينظرون العذاب الذي حلّ بأيُّوب أثناء التجارب ويقرأون الكلمات التي تكلّم بها أيُّوب وحسب، ولكنهم أيضًا ينظرون «الضعف» البشريّ الذي خذله أيُّوب عندما داهمته التجارب. يعتقدون أن هذا «الضعف» هو النقص المفترض في كمال أيُّوب، أي العيب في إنسانٍ كان في نظر الله كاملًا. وهذا يعني أنه من المعتقد أن الكاملين لا عيب فيهم ولا شائبة، وأنهم لا يعانون من ضعفٍ، ولا معرفة لديهم بالألم، وأنهم لا يشعرون أبدًا بالتعاسة أو الكآبة، وأنهم بدون كراهيةٍ أو أيّ سلوكٍ جامح خارجيًّا. ونتيجةً لذلك، فإن الغالبية العظمى من الناس لا يعتقدون أن أيُّوب كانت كاملًا حقًّا. لا يوافق الناس على الكثير من جوانب سلوكه خلال تجاربه. على سبيل المثال، عندما فقد أيُّوب ممتلكاته وأولاده، لم ينفجر في البكاء مثلما كان يتصوّر الناس. و«عدم الاحتشام» هذا يجعل الناس يعتقدون أنه بارد المشاعر لأنه كان بلا دموعٍ أو أنه لم يكن يحّب عائلته. هذا هو الانطباع السيئ لدى الناس أولًا عن أيُّوب. كما أنهم يجدون سلوكه بعد ذلك أكثر إرباكًا: فهم الناس التعبير «مَزَّقَ جُبَّتَهُ» على أنه عدم احترامٍ لله، كما أنهم يفهمون بالخطأ أن التعبير «جَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ» يعني تجديف أيُّوب ومعارضته لله. بصرف النظر عن كلمات أيُّوب: «الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا»، لا يُدرِك الناس أيًّا من جوانب برّ أيُّوب الذي امتدحه الله، وبالتالي فإن تقييم أيُّوب لدى الغالبية العظمى منهم ليس أكثر من عدم فهمٍ وسوء فهمٍ وشكٍّ وإدانةٍ وموافقةٍ من الناحية النظريّة فقط. لا يمكن لأحدٍ منهم أن يفهم ويُقدّر حقًّا كلمات يهوه الله بأن أيُّوب كان رجلًا كاملًا مستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ.

استنادًا إلى انطباع الناس عن أيُّوب أعلاه، فإن لديهم المزيد من الشكوك فيما يتعلّق ببرّه، لأن تصرّفات أيُّوب وسلوكه المُسجّل في الكتاب المُقدّس لم تكن مُؤثّرة تأثيرًا بالغًا كما تصوّر الناس. لم يقتصر الأمر على عدم أدائه أيّة أعمالٍ عظيمة، ولكنه أيضًا أخذ لنفسه شقفةً ليحتكّ بها وهو جالسٌ في وسط الرماد. هذا العمل أيضًا يُحيّر الناس ويدفعهم للشكّ في برّ أيُّوب-وحتّى إنكاره- لأنه بينما كان أيُّوب يحكّ جسمه لم يكن يُصلّي إلى الله أو يعد الله، ولم يكن، علاوة على ذلك، يمسح دموع الألم. في هذا الوقت، لا يرى الناس سوى ضعف أيُّوب ولا يرون أيّ شيءٍ آخر، وهكذا حتّى عندما يسمعون أيُّوب يقول: «أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟»، فإنهم لا يُبدون أيّة مبالاة أو يقفون موقف الحيرة ولا يزالون غير قادرين على تمييز برّ أيُّوب من كلماته. الانطباع الأساسيّ الذي يمنحه أيُّوب للناس أثناء عذاب تجاربه هو أنه لم يكن مُتذلّلًا ولا متكبّرًا. لا يرى الناس القصة وراء سلوكه التي كانت تدور أحداثها في أعماق قلبه، ولا يرون اتّقاء الله في قلبه أو التمسّك بمبدأ طريق الحيدان عن الشرّ. اتّزانه يجعل الناس يعتقدون أن كماله واستقامته لم يكونا سوى كلمات فارغة، وأن اتّقاءه الله كان مُجرّد إشاعة؛ كما أن «الضعف» الذي كشف عنه خارجيًّا يترك في الوقت نفسه انطباعًا عميقًا عليهم ويمنحهم «منظورًا جديدًا» وحتّى «فهمًا جديدًا» تجاه الرجل الذي يصفه الله بأنه كاملٌ ومستقيم. يتبرهن هذا «المنظور الجديد» و«الفهم الجديد» عندما فتح أيُّوب فمه ولعن اليوم الذي وُلِدَ فيه.

على الرغم من أن مستوى العذاب الذي تحمّله أيُّوب لا يمكن لأيّ إنسانٍ أن يتصوّره ويفهمه، إلا أنه لم ينطق بأيّة بدعةٍ، ولكنه خفّف من ألم جسده بوسائله الخاصة. وكما هو مُسجّلٌ في الكتاب المُقدّس، قال: «لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل» (أيُّوب 3:3). ربّما لم يُفكّر أحدٌ في أهمّيّة هذه الكلمات على الإطلاق، ورّبما هناك من اهتمّوا بها. من وجهة نظركم، هل تقصدون أن أيُّوب عارض الله؟ هل هذه الكلمات شكوى ضد الله؟ أعلم أن كثيرين منكم لديهم أفكارٌ مُعيّنة حول هذه الكلمات التي تحدّث بها أيُّوب ويعتقدون أنه إذا كان أيُّوب كاملًا ومستقيمًا لما كان قد أظهر أيّ ضعفٍ أو حزنٍ ولكان بدلًا من ذلك قد واجه أيّ هجومٍ من الشيطان مواجهة إيجابيّة وابتسم حتّى في وجه إغواءات الشيطان. كان يجب ألا يصدر عنه أدنى ردّ فعلٍ تجاه أيٍّ من العذابات الذي تسبّب بها الشيطان على جسده، وكان يجب ألا يكشف عن أيٍّ من المشاعر داخل قلبه. كان يجب عليه حتّى أن يطلب من الله أن يجعل هذه التجارب أشدّ. هذا ما يجب أن يكشفه ويتّسم به شخصٌ راسخ يتّقي الله حقًّا ويحيد عن الشرّ. وسط هذا العذاب الشديد، لم يصدر عن أيُّوب سوى أنه لعن يوم ولادته. لم يشتكِ من الله، ناهيك عن أنه لم تكن لديه أيّة نيّةٍ لمعارضة الله. قول هذا أسهل بكثيرٍ من فعله، لأنه منذ العصور القديمة وحتّى اليوم، لم يمرّ أحدٌ بمثل هذه التجارب ولم يحتمل ما تحمّله أيُّوب. ولماذا لم يتعرّض أيّ شخصٍ مطلقًا لنفس تجربة أيُّوب؟ لأنه، كما يرى الله، لا أحد يمكنه تحمّل مثل هذه المسؤولية أو التكليف، ولا أحد يمكنه أن يفعل ما فعله أيُّوب، وعلاوة على ذلك، لا أحد كان يمكنه، بصرف النظر عن لعن يوم ولادته، ألا يُجدّف على اسم الله ويستمرّ في مباركة اسم يهوه الله، كما فعل أيُّوب عندما حلّ به مثل هذا العذاب. هل كان يمكن لأيّ شخصٍ أن يفعل هذا؟ عندما نقول هذا عن أيُّوب، هل نمدح سلوكه؟ لقد كان رجلاً كاملًا واستطاع الشهادة لله وتمكّن من طرد الشيطان مذعورًا فلم يعد مرة أخرى أمام الله ليتّهم أيُّوب، فما الخطأ في مدحه؟ هل يمكن القول بأن لديكم معايير أعلى من الله؟ هل يمكن القول إن بإمكانكم التصرّف أفضل من أيُّوب عندما تداهمكم التجارب؟ امتدح الله أيُّوب، فما الاعتراضات التي قد تكون لديكم؟

أيُّوب يلعن يوم ولادته لأنه لا يريد الله أن يتألّم بسببه

كثيرًا ما أقول إن الله ينظر قلوب الناس وإن الناس ينظرون مظهرهم الخارجيّ. نظرًا لأن الله ينظر قلوب الناس، فإنه يفهم جوهرهم، في حين يُحدّد الناس جوهر بعضهم البعض بناءً على مظهرهم الخارجيّ. عندما فتح أيُّوب فمه ولعن يوم ولادته، أذهل هذا التصرّف جميع الكائنات الروحيّة، بما في ذلك أصدقاء أيُّوب الثلاثة. جاء الإنسان من لدن الله، ويجب أن يكون شاكرًا للحياة والجسد، وكذلك يوم ولادته الذي منحه إياه الله، ويجب ألا يلعنه. هذا أمرٌ مفهوم وقابل للتصوّر لمعظم الناس. وبالنسبة لأيّ أحدٍ يتبع الله، فإن هذا الفهم مُقدّسٌ ومصون، وهو حقيقةٌ لا يمكن أن تتغيّر أبدًا. ولكن أيُّوب، من ناحيةٍ أخرى، كسر القواعد: لقد لعن يوم ولادته. هذا تصرّفٌ يعتبره معظم الناس تجاوزًا إلى منطقةٍ محظورة. فالأمر لا يقتصر على أنه لا يستحقّ فهم الناس له وتعاطفهم معه فحسب، ولكنه لا يستحقّ أيضًا غفران الله. في الوقت نفسه، يشكّ عددٌ أكبر من الناس حتّى في برّ أيُّوب، لأنه يبدو أن فضل الله عليه جعله منغمسًا في ملذّاته ووقحًا ومتهوّرًا لدرجة أنه لم يشكر الله على مباركته إياه ورعايته خلال حياته فحسب، ولكنه أيضًا لعن يوم ولادته. كيف يمكن وصف هذا سوى معارضة لله؟ تُقدّم مثل هذه الأمور السطحيّة للناس الدليل على إدانة تصرّف أيُّوب هذا، ولكن من يستطيع أن يعرف كيف كان أيُّوب يُفكّر في ذلك الوقت؟ ومن يستطيع معرفة سبب تصرّف أيُّوب بهذه الطريقة؟ الله وحده وأيُّوب نفسه يعرفان القصة والأسباب.

عندما مدّ الشيطان يده لإيذاء عظام أيُّوب، سقط أيُّوب في براثنه ولم تكن لديه الوسيلة للهروب أو القوّة للمقاومة. تحمّل جسده وروحه آلامًا مُبرّحة، وجعله هذا الألم مُدرِكًا تمامًا بعدم القيمة والضعف والعجز لدى الإنسان الذي يعيش في الجسد. وفي الوقت نفسه، اكتسب أيضًا فهمًا عميقًا عن سبب رعاية الله وعنايته للإنسان. أدرك أيُّوب، في براثن الشيطان، أن الإنسان، الذي هو من لحمٍ ودم، هو في الواقع عاجزٌ جدًّا وضعيف. عندما سقط على ركبتيه وصلّى لله، شعر وكأن الله كان يغطّي وجهه مختبئًا لأن الله وضعه بالكامل في يد الشيطان. وفي الوقت نفسه، بكى الله عليه، وعلاوة على ذلك، تحسّر عليه. تألّم الله بسبب ألمه وجُرِحَ بسبب جرحه ... شعر أيُّوب بألم الله، إذ كان الأمر لا يُطاق عند الله ... لم يرغب أيُّوب في أن يتسبّب في المزيد من الحزن لله، ولم يرد من الله أن ينتحب عليه، ناهيك عن أنه لم يرغب في أن يرى الله يتألّم بسببه. في هذه اللحظة، لم يرد أيُّوب سوى أن يخلع نفسه من جسده ويكفّ عن تحمّل الألم الذي ينهش في هذا الجسد، لأن هذا سوف يوقف عذاب الله على ألمه. ومع ذلك، لم يستطع ذلك، وكان عليه أن يتحمّل ليس فقط آلام الجسد ولكن أيضًا عذاب عدم الرغبة في أن يُسبّب القلق لله. هذان الألمان- ألم الجسد وألم الروح- تسبّبا في ألمٍ مُبّرح يُمزّق القلب عند أيُّوب، وجعله يشعر كيف أن محدوديّة الإنسان المكوّن من لحمٍ ودم يمكن أن تجعل المرء يشعر بالإحباط والعجز. في هذه الظروف، ازداد شوقه إلى الله كثيرًا وكرهه للشيطان. في هذا الوقت، استحسن أيُّوب ألا يكون قد وُلِدَ في عالم البشر، وألا يكون قد وُجِدَ من الأساس، من أن يرى الله يبكي دموعًا أو يشعر بالألم من أجله. بدأ يكره جسده كرهًا شديدًا ويلفظ نفسه ويوم ولادته وحتّى كل من كان يرتبط به. لم يرغب في أن يكون هناك أي ذكرٍ آخر ليوم ولادته أو أي شيءٍ له علاقة به، ولذلك فتح فمه ولعن يوم ولادته: «لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل. لِيَكُنْ ذلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا. لاَ يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ» (أيُّوب 3:3-4). تحمل كلمات أيُّوب لفظه لنفسه: «لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل» وكذلك تأنيبه لنفسه وإحساسه بالذنب لأنه تسبّب في شعور الله بالألم: «لِيَكُنْ ذلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا. لاَ يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ». هذان المقطعان هما التعبير النهائيّ عن شعور أيُّوب في ذلك الوقت، وهما يُظهِران كماله واستقامته للجميع. وفي الوقت نفسه، مثلما تمنّى أيُّوب، سما إيمانه بالله وطاعته إياه وكذلك اتّقاؤه إياه. وبالطبع، فإن هذا السمو هو بالضبط النتيجة التي توقّعها الله.

 

حواشي:

[1] لا ترد في النصّ الأصليّ كلمة «تسمية»

السابق:لا يمكن خلاص الإنسان إلا وسط تدبير الله

التالي:الله نفسه، الفريد (الجزء الثالث)

قد تحب أيض ًا