84. إيمان لا يتحطَّم

بقلم مينغ يونغ، الصين

في ديسمبر2011، ذهبت مع بعض الإخوة والأخوات إلى مكان لنشر الإنجيل، وانتهى الأمر بإبلاغ بعض الأشرار عنّا. بعد مدة وجيزة، أرسلت حكومة المقاطعة عناصر من سَريّة الشرطة الجنائية وقوات الأمن القومي وفرقة مكافحة المخدرات وقوات الشرطة المسلّحة ومركز الشرطة المحلية كي يأتوا في أكثر من 10 سيارات للشرطة لاعتقالنا. عندما كنت أنا وأخ لي على وشك الرحيل بسيارتنا، ركض نحونا أربعة شرطيين بسرعة واعترضوا طريقنا. سحب أحدهم مفتاح السيارة وأمرنا بالبقاء في السيارة وبعدم التحرك. آنذاك، رأيت أنّ سبعة أو ثمانية شرطيين يحملون عصيًّا كانوا يضربون أخًا آخر بشراسة، وكان هذا الأخ قد تعرّض للضرب لدرجة أنّه عجز عن التحرك. ما كان منّي سوى أن امتلأت بسخط صالح وهرعت خارج السيارة، محاولًا وقف عنفهم، لكنّ الشرطيين منعوني. ثم أخذونا لاحقًا إلى مركز الشرطة وصادروا سيارتنا أيضًا.

بعد الساعة التاسعة تلك الليلة، أتى شرطيان جنائيان لاستجوابي. عندما رأيا أنّهما يعجزان عن الحصول على أي معلومات مفيدة منّي، زاد اضطرابهما وغضبهما، فصرّا بأسنانهما حانقَين بينما شتما: "اللعنة، سنهتمّ بك لاحقًا!" ثم احتجزاني في غرفة الاستجواب والانتظار. عند الساعة 11:30 ليلًا، أخذاني إلى غرفة لا تحوي كاميرات مراقبة. انتابني شعور بأنّهما سيستخدمان العنف ضدي، فبدأت أصلّي لله بشكل متكرر في قلبي، راجيًا إياه أن يحميني. في هذا الوقت، أتى شرطي لقبه جيا لاستجوابي: "هل ركبت سيارة فولكسفاغن جيتا في الأيام الأخيرة؟" فأجبت بالنفي، فصرخ غاضبًا: "سبق أن رآك أشخاص آخرون وما زلت تنكر هذا؟" بعد قول هذا، صفعني على وجهي بوحشية. كل ما شعرت به هو ألم شديد بخدّي. ثم هدر بصوت مرتفع: "لنرَ مدى قوّتك!" أخذ حزامًا عريضًا بينما تكلّم واستمرّ بصفع وجهي بالحزام، لا أدري كم مرة صفعني، لكن لم يسعني سوى أن أصرخ ألمًا المرةً تلو الأخرى. عند رؤية هذا، شدّوا الحزام حول فمي. ثم وضع بعض الشرطيين لحافًا على جسمي قبل ضربي بوحشية بعصيّهم، ولم يتوقّفوا سوى عندما تعبوا جدًا واحتاجوا إلى التقاط أنفاسهم. ضربوني ضربًا مبرحًا جدًا، حتى راح رأسي يدور وجسمي يؤلمني وكأنّ كل عظامي انفصلت عن بعضها. آنذاك، لم أكن أعرف سبب ضربهم إياي بهذه الطريقة، لكنّني عرفت لاحقًا أنّهم وضعوا لحافًا عليّ لئلا يترك الضرب آثارًا على لحمي. وضعوني في غرفة لا توجد فيها كاميرات مراقبة، وكمّموا فمي وغطّوني بلحاف، كل هذا لأنّهم خافوا من أن تنكشف أفعالهم الشريرة. شرطة الحزب الشيوعي الصيني خطيرة وشريرة جدًا! عندما تعب الشرطيون الأربعة من ضربي، انتقلوا إلى وسيلة تعذيب أخرى: لوى شرطيان إحدى ذراعيّ إلى الخلف وشدّاها بقوة إلى أعلى، بينما رفع شرطيان آخران ذراعي الأخرى فوق كتفي إلى الخلف وشدّاها بقوة إلى أسفل. (دعوا وسيلة التعذيب هذه "حمل سيف على الظهر"، وهي وسيلة لا يتحمّلها الشخص العادي بتاتًا.) لكنّهم عجزوا عن وصل يديّ مهما حاولوا، فدفع أحدهم ركبته بشراسة إلى ذراعي. لم أسمع سوى "طقطقة"، وشعرت بأنّ ذراعيّ قد تمزقتا. كان الألم غامرًا لدرجة كدت أموت. سرعان ما فقدت الشعور في يديّ كلتيهما. لم يكفِهم هذا بعد كي يتوقّفوا، فأمروني بجلوس القرفصاء على الأرض لزيادة عذابي. كنت أعانى ألمًا شديدًا؛ حتى تصبب كل جسمي عرقًا باردًا من الخوف، وكان رأسي يطن، وبدأ وعيي يتشوّش قليلًا. فقلت لنفسي: "لم أشعر قطّ بأنّني عاجز عن التحكم بوعيي. هل أنا على وشك الموت؟" لاحقًا، لم أعد أتحمّل حقًا، ففكّرت في طلب الراحة عبر الموت. في تلك اللحظة، أنارني كلام الله من داخلي: "ليس لدى معظم الناس اليوم هذه المعرفة. هم يعتقدون أن المعاناة لا قيمة لها...هذه ليست المحبة الحقيقية لله؛ مثل هؤلاء الناس جبناء، ليس لديهم قدرة على المثابرة، وهم ضعفاء وعاجزون!" ("اختبار التجارب المؤلمة هو السبيل الوحيد لكي تعرف روعة الله" في "الكلمة يظهر في الجسد"). أيقظني كلام الله فجأةً وأدركت أنّ طريقة تفكيري لا تتلاءم مع مشيئة الله، وأنّها ستُحزن الله وتخيب أمله. ففي خضمّ هذا الألم وهذه المحنة، ليس ما أراد الله رؤيته هو أنني سعيت إلى الموت، بل أنني استطعت الاعتماد على إرشاد الله لمحاربة الشيطان ولتقديم الشهادة لله ولجعل الشيطان يشعر بالعار ويُهزم. فالسعي إلى الموت هو الوقوع مباشرةً في مخطط الشيطان، ولا يُعتبر تقديم شهادة لله، بل على العكس، سيُصبح وصمة عار. بعدما فهمتُ نوايا الله، صلّيت له بصمت: "يا الله! أظهر الواقع أنّ طبيعتي ضعيفة جدًا. لا أملك الإرادة والشجاعة على المعاناة لأجلك، وأردت الموت لمجرد إحساسي ببعض الألم الجسدي. الآن لا أريد الهرب من ذلك، وعليّ تقديم الشهادة لك وإرضاءك مهما اضطررت إلى تحمّل المعاناة. لكن الآن، جسمي ضعيف ويتألّم للغاية، وأعرف أنّه من الصعب جدًا أن أتغلب على ضرب هؤلاء الشياطين بمفردي. أرجوك أن تمنحني المزيد من الثقة بالنفس والقوة كي أعتمد عليك لأهزم الشيطان. أقسم بحياتي أنّني لن أخونك أو أشي بإخوتي وأخواتي." بينما صلّيت لله بشكل متكرر، غمرَت الراحة قلبي ببطء. رأى الشرطيون الأشرار أنّني بالكاد أتنفّس وخافوا من تحمّل المسؤولية عن موتي، فحرّروا يديّ من الأصفاد. لكنّ ذراعيّ كانتا قد تصلّبتا، وكانت الأصفاد ضيّقةً جدًا، ما صعّب فكّها كثيرًا. استغرق الشرطيون الأشرار الأربعة عدة دقائق لفكّ الأصفاد قبل جرّي من جديد إلى غرفة الاستجواب والانتظار.

في ظهيرة اليوم التالي، ألصقَت بي الشرطة تهمة "مخالفة إجرامية" بشكل تعسفي، وأعادتني إلى بيتي لمداهمته، ثم أرسلتني إلى مركز احتجاز. حالما دخلت مركز الاحتجاز، صادر أربعة ضباط إصلاحيين سترتي المبطنة بالقطن وسروالي وحذائي وساعتي، بالإضافة إلى مبلغ الـ1300 يوان الذي كنت أحمله نقدًا. أرغموني على ارتداء زيّ السجن المعياري وأجبروني على إنفاق 200 يوان لشراء لحاف منهم. بعدذلك، وضعني الضباط الإصلاحيون في زنزانة مع لصوص وقتلة ومغتصبين ومهربي مخدرات. عندما دخلت زنزانتي، رأيت اثني عشر سجينًا أصلع يتفرّسون فيّ بعدوانية. كان الجوّ كئيبًا ومرعبًا، وشعرت بأنّ قلبي سيقفز فجأةً من صدري. اقترب منّي اثنان من سجناء الزنزانة وسألاني: "بأي تهمة يسجنونك؟" فقلت: "نشر الإنجيل." من دون كلمة أخرى، صفعني أحدهما على وجهي مرتين وقال: "أنت سجين مؤمن، أليس كذلك؟" بدأ كل السجناء الآخرين يضحكون بشدة ويسخرون منّي سائلين: "لماذا لا تدع إلهك يخلّصك من هنا؟" في وسط الاستهزاء والسخرية، صفعني زعيم السجناء على وجهي بضع مرات إضافية. مذّاك، أطلقوا عليّ لقب "السجين المتديّن" وأذلّوني وسخروا منّي غالبًا. رأى السجين الآخر الخفّين اللذين كنت أنتعلهما وصرخ بتعجرف: "أنت لا تعرف مكانك إطلاقًا. هل أنت جدير بانتعال هذا الحذاء؟ انزعه!" بينما قال هذا، أجبرني على نزع الخفّين وانتعال خفّين مهترئين كانا لأحدهم. كذلك، أعطى لحافي للسجناء الآخرين. تشاجر هؤلاء السجناء للحصول على لحافي، وفي النهاية تركوا لي لحافًا قديمًا وخفيفًا وممزقًا وقذرًا ونتنًا. بتحريض من الضباط الإصلاحيين، عرّضني هؤلاء السجناء لكل أنواع المحن والعذاب. كان المصباح مُضاءً دائمًا خلال الليل في الزنزانة، لكنّ أحد السجناء قال لي بابتسامة شريرة: "أطفئ الضوء إكرامًا لي." بما أنّني لم أستطع فعل هذا (لم يكن هناك مفتاح للمصباح)، بدأوا يسخرون منّي ويستهزئون بي من جديد. في اليوم التالي، أجبرني بعض السجناء الأحداث على الوقوف في زاوية وحفظ قواعد السجن، مهددين: "سنضربك إن لم تحفظها في غضون يومين!" ما كان منّي سوى أن شعرت بالرعب، وكلّما فكّرت في ما سبق أن خضته في الأيام الأخيرة، زاد خوفي. لذا واصلت أدعو الله، راجيًا إياه أن يحميني كي أتخطّى هذه التجربة. في تلك اللحظة، فكّرت في ترنيمة من كلام الله: "سواء أكنت تواجه السجن أو المرض أو التهكُّم أو الافتراء من الآخرين، أو يبدو أنه لا ليس لديك مخرج، لا يزال بإمكانك أن تحب الله. هذا يعني أن قلبك قد تحوَّل إلى الله" (من "هل اتَّجَهُ قلبكَ إلى الله؟" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). أعطتني كلمة الله القوة وأظهرت لي مسارًا لممارسة الإيمان – السعي إلى محبة الله وتوجيه قلبي إلى الله! في تلك اللحظة، اتّضح الأمر فجأةً في قلبي: لم يسمح الله باختباري هذا الألم لأجل تعذيبي أو لجعلي أعاني عمدًا، بل لأجل تدريبي على توجيه قلبي إلى الله في ظروف كهذه، كي أقاوم تأثيرات سيطرة الشيطان المظلمة وكي يبقى قلبي قريبًا من الله ويحبّ الله، من دون تذمر، وكي أتقبّل دائمًا ترتيبات االله وتدابيره وأطيعها. لم أعد خائفًا بعد أن أدركت هذا. كيفما عاملتني الشرطة والسجناء، لن أكترث سوى بتقديم نفسي لله، ولن أستسلم أبدًا للشيطان.

الحياة في السجن جحيم على الأرض في الأساس. كان السجناء يستخدمون وسائل متنوعة لتعذيبي بإيعاذ من الحراس: عندما أكون نائمًا في الليل، كان يحتشد سجناء آخرون حولي، فبالكاد أستطيع التقلّب على الفراش، وكانوا يجعلونني أنام مستندًا إلى المرحاض. بعد القبض عليّ، لم أنَم لعدة أيام، فلم أعُد أتحمّل ورحت أغفو. كان السجناء المناوبون الذين يقفون للحراسة يأتون لمضايقتي، فينقرون رأسي عمدًا إلى أن أستيقظ، ثم يرحلون. كان هناك سجين تعمَّد إيقاظي وحاول أخذ قميصي الداخلي ذي الكمين الطويلين. وفي اليوم التالي بعد الفطور، أمرني رئيس الزنزانة بتنظيف الأرض يوميًا. كانت تلك أكثر أيام السنة بردًا ولم تتوافر مياه ساخنة، فلم أستطع استعمال سوى المياه الباردة لأبلّل خرقة التنظيف. ثم، جعلني بعض اللصوص المُدانين أحفظ قواعد السجن. إن عجزت عن حفظها، كانوا يضربونني ويلكمونني؛ وكانوا يصفعون وجهي بدرجة أكبر. إزاء هذه البيئة. في الليل، غطّيت نفسي حتى رأسي باللحاف وصلّيت بصمت: "يا الله، سمحتَ لهذه البيئة بأن تحلّ بي، فلا بد من أنّ نواياك الحسنة موجودة هنا. أرجوك أن تكشف لي عن نواياك." في تلك اللحظة، أنارني كلام الله: "أنا معجبٌ بالزنابق التي تزهر على التلال. تمتدّ الزهور والمروج عبر المنحدرات، ولكن الزنابق تضيف بريقاً لمجدي على الأرض قبل حلول الربيع، أيمكن للإنسان أن يحقق هذا؟ أيمكنه أن يشهد لي على الأرض قبل عودتي؟ أيمكنه أن يكرس نفسه لأجل اسمي في بلد التنين الأحمر العظيم؟" (من "الفصل الرابع والثلاثون" "كلام الله إلى الكون بأسره" في "الكلمة يظهر في الجسد"). بينما كنت أتأمل في كلمات الله فكرت في نفسي: نعم، أنا والزهور والعشب كلنا من خلق الله. خلقنا الله كي نجسّده ونعظّمه. يستطيع الزنبق أن يضفي رونقًا على مجد الله على الأرض قبل حلول الربيع، أي أنّه قام بمسؤوليته كأحد خلائق الله. واجبي اليوم أن أطيع ترتيبات الله وأقدّم الشهادة لله أمام الشيطان. أنا اليوم أخضع للاضطهاد والذل بسبب إيماني، ولكن هذا الألم من أجل البِرِّ ومجده. كلّما ذلّني الشيطان أكثر، زادت ضرورة وقوفي إلى جانب الله ومحبتي إياه. بهذه الطريقة، يربح الله المجد، وأنا سأكون قد قمت بالواجب الملقى على عاتقي. طالما الله سعيد وراضٍ، فسيتلقّى قلبي أيضًا الراحة. أنا مستعدّ لتكبّد العذاب النهائي لإرضاء الله والخضوع لترتيبات الله في كل الأمور". عندما بدأت أفكّر بهذه الطريقة، شعرت بأنّ قلبي متأثّر جدًا، وعجزت مجددًا عن السيطرة على دموعي. فصلّيت لله بصمت: "يا الله، أنت جدير بالمحبة فعلًا! لقد تبعتك لسنوات طويلة، لكنّني لم أشعر قط بعطفك الحنون كما أشعر به اليوم، ولم أشعر بالقرب منك كما هي الحال اليوم." نسيت عذابي بالكامل وغرقت في هذا الشعور المؤثر لوقت طويل جدًا...

كانت الحرارة منخفضةً جدًا في اليوم السادس لوجودي في مركز الاحتجاز. بما أنّ الشرطة الشريرة قد صادرت سترتي المبطنة بالقطن، لم أرتدِ سوى قميص داخلي ذي كمّين طويلين وأصِبت بالزكام في نهاية المطاف. أصِبت بحمّى ولم أستطع الكف عن السعال أيضًا. في الليل، كنت ألف نفسي بلحاف مهترئ، وقاسيت مآسي المرض بينما فكّرت أيضًا في سوء معاملة السجناء اللامتناهي لي وإساءتهم حيالي. شعرت بأنّني بائس جدًا ومغلوب على أمري. وعندما بلغ بؤسي مستوى كبيرًا، فكّرت في صلاة بطرس الأصيلة والصادقة أمام الله: "إذا أعطيتني مرضًا، وأخذت حريتي، فيمكنني الاستمرار في العيش، لكن إن تركني توبيخك ودينونتك، فلن يكون أمامي أي سبيل للاستمرار في العيش. لو كنت بدون توبيخك ودينونتك، لكنت قد فقدت حبك، هذا الحب العميق جدًا الذي لا يمكنني أن أعبّر عنه بكلمات. بدون حبك، كنت سأعيش تحت مُلك الشيطان" (من "اختبارات بطرس: معرفته بالتوبيخ والدينونة" في "الكلمة يظهر في الجسد"). أمنحني هذا الكلام الإيمان والقوة. لم يفكر بطرس أبدًا في الألم الجسدي. ما قدّره وما اهتم به حقًا كان توبيخ الله ودينونته. ما سعى إليه كان توبيخ الله ودينونته حتى يمكنه التطهر ومن ثمَّ تحقيق الطاعة النهائية حتى الموت، والمحبة النهائية لله. عرفت أنني كان عليَّ أن أحذو حذو بطرس في سعيه، إذ سمح لي الله بأن أوضع في هذا الموقف. حتى إن كنت أختبر الألم الجسدي، فكانت تلك هي محبة الله لي. أراد الله أن يكمِّل إيماني وعزمي في مواجهة الألم. لقد تأثرت حقًا بمجرد أن فهمت نوايا الله الصادقة، وكرهت مدى جبني وكم كنت أنانيًا. شعرت بأنني مدين لله بدَين هائل لأنني لم أراعِ مشيئته، وأقسمت أنني مهما بلغت معاناتي، سأكون شاهدًا وأُرضي الله. في اليوم التالي، تخفَّفت حمَّتي الشديدة بأعجوبة. وقدمت الشكر لله في قلبي.

ذات ليلة، أتى بائع إلى نافذة الزنزانة فاشترى منه الرئيس الكثير من لحم الخنزير ولحم الكلاب وأفخاذ الدجاج وما إلى ذلك. في النهاية، أمرني بالدفع. قلت إنّني لا أملك أي مال، فقال بشراسة: "إن كنت لا تملك المال، فسأعذّبك ببطء!" في اليوم التالي، أجبرني على غسل شراشف الأسرّة والملابس والجوارب. أجبرني الضباط الإصلاحيون في مركز الاحتجاز أيضًا على غسل جواربهم. في مركز الاحتجاز، اضطررت إلى أن أقاسي ضربهم كل يوم تقريبًا. عندما كنت أعجز عن التحمل، كنت دائمًا ما أفكر في كلام الله: "يجب أن تؤدي واجبك الأخير من أجل الله أثناء حياتك على الأرض. في الماضي، صُلب بطرس ورأسه لأسفل من أجل الله، لكن ينبغي عليك إرضاء الله في النهاية، وبذل كل طاقتك من أجله. ما الذي يمكن أن يفعله مخلوق نيابة عن الله؟ لذلك ينبغي أن تسلّم أمرك لله عاجلاً وليس آجلاً، ليصرّفك كيف يشاء. فما دام ذلك يجعل الله سعيداً وراضياً، دعه يفعل ما يشاء بك. فأي حق يملكه البشر لينطقوا بكلمات الشكوى؟" (من "الفصل الحادي والأربعون" في "تفسيرات أسرار كلام الله إلى الكون بأسره" في "الكلمة يظهر في الجسد"). منحني كلام الله قوةً. مع أنّني كنت أتعرض للهجوم والإساءة والإدانة والضرب على يد السجناء من حين لآخر، إلا أنني كنت أشعر بتعزية داخلي بفضل توجيه إرشاد كلام الله، ولم أعد أشعر بالألم.

في الوقت المحدَّد، أخذني ضابط إصلاحي إلى مكتبهم. رأيت أكثر من اثني عشر شخصًا يحدّقون بي بشكل غريب. حمل أحدهم كاميرا فيديو أمامي نحو اليسار، بينما اقترب آخر منّي مع مذياع سائلًا: "لماذا تؤمن بالله القدير؟" آنذاك أدركت أنّ هذه مقابلة إعلامية، فأجبت بتواضع فخور: "منذ كنت طفلًا، غالبًا ما تعرّضت للتنمّر واللامبالاة من الناس، ورأيت الناس يخدعون ويستغلّون بعضهم بعضًا. شعرت بأنّ هذا المجتمع شرير جدًا، خطير جدًا؛ والناس يعيشون حياةً فارغةً وعاجزةً، من دون أمور يتوقون إليها ولا أهداف في حياتهم. لاحقًا، عندما وعظني أحدهم بإنجيل الله القدير، بدأت أؤمن به. بعد الإيمان بالله القدير، شعرت بأنّ مؤمنين آخرين عاملوني كفرد من أسرتهم. لا يخطّط أحد في كنيسة الله القدير لأذيّتي. الجميع متفهّم ومتعاطف بشكل متبادل. يعتنون ببعضهم بعضًا، ولا يخافون من التعبير عمّا يفكّرون فيه. وجدت غاية الحياة وقيمتها في كلمة الله القدير. أعتقد أن الإيمان بالله ممتاز." ثم سأل المراسل: "هل تعرف سبب وجودك هنا؟" فأجبت: "منذ أن آمنت بالله القدير، رأيت أن كلمة الله يمكنها حقًا تخليص الناس وتطهيرهم، وقيادتهم ليتخذوا المسار الصحيح في الحياة. لذلك، قرّرت إخبار هذه البشرى السارّة لأشخاص آخرين، لكن لم أعرف قط أنّ هذا العمل الصالح سيكون محظورًا في الصين. لذا اعتُقلت وأحضِرت إلى هنا." رأى الإعلامي أنّ إجاباتي لا تخدم مصالحه، فأوقف المقابلة فورًا وغادر. في تلك اللحظة، كان نائب رئيس سَريّة الأمن القومي غاضبًا جدًا واستمرّ بالطرق بقدمه. حدّق بي بشراسة وصرّ بأسنانه وقال: "انتظر وسترى!" لكنّني لم أخَف بتاتًا من تهديداته أو تخويفه. على العكس، شعرت بشرف عميق لأنّني تمكّنت من تقديم الشهادة لله في مناسبة كهذه، عدا عن أنّني سبّحت الله عبر تمجيد اسمه وهزيمة الشيطان. ذات صباح، أحضر ضابط إصلاحي خصيصًا ورقةً من صحيفة.

لاحقًا، استجوبني الشرطي المسؤول عن قضيتي من جديد. هذه المرة، لم يستعمل التعذيب لمحاولة إجباري على الاعتراف، بل بعكس ذلك، اعتمد وجهًا "طيّبًا" ليسألني: "من هو قائدك؟ سأمنحك فرصةً أخرى. إن أخبرتنا، فستكون بخير. سأتساهل معك كثيرًا. أنت كنت في الواقع بريئًا، لكنّ آخرين وشوا بك. إذًا لماذا تحميهم؟ يبدو أنّك شخص لطيف جدًا. لماذا تهبهم حياتك؟ إن أخبرتنا، يمكنك الذهاب إلى البيت. لماذا تبقى هنا وتعاني؟" رأى هؤلاء الخبثاء ذوو الوجهين أنّ أسلوب التعامل القاسي لم يفلح، فقرّروا محاولة أسلوب التعامل اللطيف. لديهم حقًا الكثير من الخِدَع الماكرة وهُم أسياد في المكائد والمناورات! ملأ وجهه الخبيث ذاك قلبي بالكراهية تجاه مجموعة الشياطين هذه. فقلت له: "سبق أن أخبرتك بكل ما أعرفه. لا أعرف أي شيء آخر." رأى موقفي العازم وأنّه لن يحصل على أي شيء منّي؛ فغادر مكتئبًا.

بعد إبقائي في مركز الاحتجاز مدة نصف شهر، لم يُطلَق سراحي سوى بعد أن طلبَت الشرطة من عائلتي دفع 8000 يوان على سبيل الكفالة. لكنّهم حذّروني من الذهاب إلى أي مكان ومن أنّ عليّ البقاء في البيت في حال احتاجوا إلى الاتصال بي. فيما بعد، بتهمة "الإخلال بالنظام الاجتماعي" التي لا أساس لها، حكم عليّ الحزب الشيوعي الصيني بسنة من السجن، ووقفي عن العمل مدة سنتين.

بعد التعرض لهذا الاضطهاد وهذه المحنة، توصّلت إلى فهم واستطعت تمييز وجه الحزب الشيوعي الصيني الملحد الشيطاني وجوهره الشرير، ونمّيت كرهًا عميقًا تجاهه. فهو يستخدم العنف ويكذب لحماية مركز سيادته؛ يقمع من يؤمنون بالله ويضطهدهم بجنون. يستعمل كل الخِدَع المتوافرة لعرقلة عمل الله على الأرض وتعطيله، ويكره الحقيقة إلى أبعد الحدود. إنّه عدوّ الله اللدود وعدوّ المؤمنين بيننا أيضًا. بعد المرور بهذه المحنة، أستطيع أن أرى أنّ كلمة الله وحدها قادرة على منح الناس الحياة. عندما بلغ بي اليأس ذروته أو عندما أوشكت على الموت، كلمة الله هي التي أعطتني الإيمان والشجاعة وسمحت لي بالتمسك بالحياة بإصرار. الشكر لله على حمايتي خلال تلك الأيام الأكثر ظلمةً وصعوبةً. محبته لي عظيمة جدًا!

السابق: 83. النصر وسط إغواءات الشيطان

التالي: 85. وقت من التعذيب القاسي

كيف يمكن لنا نحن المسيحيون أن نتحرَّر من رباطات الخطية ونتطهَّر؟ لا تتردد في الاتصال بنا لتجد الطريق.

محتوى ذو صلة

27. تقويم دوافعي في واجبي

انتخبتُ قائدة للكنيسة في يونيو الماضي. في ذلك الوقت، شعرت بسعادة غامرة وشعرت أن الإخوة والأخوات لا بد أنهم يظنون بي حسنًا، وأن تصويت الكثير...

57. الإبلاغ أو عدم الإبلاغ

يقول الله القدير، "من أجل مصيركم، عليكم أن تسعوا إلى أن تحظوا بقبول الله. وهذا يعني أنكم ما دمتم تعترفون بأنكم تُحسبون في عداد بيت الله،...

2. في خضم تجربة الموت

يقول الله القدير، "لقد جاء الله للعمل على الأرض ليخلِّص البشرية الفاسدة، لا زيف في هذا؛ إن لم يكن الأمر هكذا لما أتى بكل تأكيد ليقوم بعمله...

إعدادات

  • نص
  • مواضيع

ألوان ثابتة

مواضيع

الخط

حجم الخط

المسافة بين الأسطر

المسافة بين الأسطر

عرض الصفحة

المحتويات

بحث

  • ابحث في هذا النص
  • ابحث في هذا الكتاب