5. ألم لا يُمحى
في أحد أيام النصف الثاني من عام 2002، اعتقلتني الشرطة فجأة أثناء قيامي بواجباتي. أخذوني إلى دار ضيافة وعرضوا عليَّ لقطات فيديو لمعاملاتي المصرفية، واستجوبوني بلا هوادة لمعرفة من أين حصلت على المال، وأين أقيم، ومن يقود الكنيسة، وما إلى ذلك. عندما رفضت الإجابة، عذبوني بأساليب شتى؛ أجبروني على الجلوس في وضعية القرفصاء، وصفعوني على وجهي بشراسة باستخدام أحذية جلدية، وأخضعوني للاستجواب على يد أكثر من اثني عشر شرطيًا، مستخدمين معي تكتيكات "الحرمان من النوم". كان هذا يعني أنهم لن يدعوني أنام. فكلما أغمضت عيني، كان أفراد الشرطة يصفعونني بقوة على وجهي أو يركلونني بعنف، أو يصرخون فجأة بصوت عالٍ في أذني. وبسبب هذا الحرمان المطول من النوم، أُصبتُ بالتشوش، وارتفاع شديد في درجة الحرارة، ودوار، وطنين في أذني، بل وبدأت أرى الأشياء مزدوجة.
وبحلول اليوم العشرين من تعذيب الشرطة، كان جسدي قد بلغ حده الأقصى من الاحتمال. انهَرتُ على الأرض ولم أقوَ على استجماع قوتي للنهوض. عجزتُ عن فتح عينيَّ، وبدأ وعيي يصبح ضبابيًا، حتى إن تنفسي أصبح صعبًا، وشعرت وكأنني قد أفارق الحياة في أي لحظة. تملَّكني الخوف الشديد، ولم أستطع التوقف عن التفكير في أمي وزوجتي وأطفالي. كنت أخشى إنْ مُت ألا يتمكنوا من التكيف مع الأمر وأن يُصابوا بانهيار عصبي؛ فكيف سيكملون حياتهم بعد ذلك؟ وفي غمرة تَشَوُّشِي، سمعت أفراد الشرطة يقولون: "حتى لو مات أمثالك من العنيدين، فإن موتكم سيذهب سُدى! سندفنك في أي مكان عشوائي ولن يعلم أحد!" وقالوا أيضًا: "أخبرنا فقط بمكان إقامتك وسنغلق القضية! لا نريد أن نسهر طوال الليل ونتعذب معك". فقلت في نفسي: "إن لم أنطق بشيء الليلة، فربما لن أنجو. لعلّي أستطيع أن أُخبرهم بشيء لا أهمية له". تذكرتُ الأخت المُسنّة التي كانت تستضيفني؛ فهي لم تكن تعرف إلا القليل عن شؤون الكنيسة. إذا اعترفتُ بأنني كنت أقيم في بيتها، فلن يُلحق ذلك ضررًا بالكنيسة، أليس كذلك؟ لقد مرَّ عشرون يومًا بالفعل على اعتقالي، ولا بد أن كُتب كلام الله التي كانت في منزلها قد نُقلت منذ زمن. وإذا لم يجدوا أي دليل، فالأرجح ألا تتمكن الشرطة من فعل أي شيء للأخت. وأمام هذه الفكرة، غاب عني كيف أُصلّي إلى الله، وعندما عرضت عليَّ الشرطة منزل تلك الأخت، أقررتُ بأنه منزلها، بل وذكرتُ عدد أفراد عائلتها. وما إن نطقتُ بهذه الكلمات، حتى استعاد عقلي صفاءه على الفور، وأدركتُ أنني قد أصبحتُ يهوذا. وتملَّكني رعبٌ شديدٌ وشعرت بخدر يسري في جسدي كله. لُمتُ نفسي وندمتُ على ذلك بشدة، وكرهتُ كيف أمكنني أن أتحول إلى يهوذا وأخون الأخت. تمنيتُ لو يعود بي الزمن إلى الوراء لأتراجع عما قلته، ولكن كان الأوان قد فات. فكرتُ في أن هذه الأخت استضافتني غير مبالية بسلامتها الشخصية، ومع ذلك خنتها لإنقاذ نفسي؛ زاد عذاب ضميري، وكرهتُ نفسي لافتقاري إلى أي إنسانية، خاصة عندما تذكرت كلمات الله: "لن أمنح رحمة بعد الآن لأولئك الذين لم يظهروا لي أدنى قدرٍ من الولاء خلال أوقات المحنة، لأن رحمتي لا تمتد أبعد من هذا الحد. علاوة على ذلك، أنا لا أحب أي أحد سبق أن خانني، فضلًا عن أن أحب أن أخالط الذين يبيعون مصالح أصدقائهم. هذه هي شخصيتي، بغض النظر عمّن يكون الشخص. يجب عليَّ أن أخبركم بهذا: أي شخص يكسر قلبي تمامًا لن ينال مني تساهلًا مرة ثانية، وكل مَنْ كان وفيًا لي سيبقى إلى الأبد في قلبي" (الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. أَعْدِدْ ما يكفي من الأعمال الصالحة من أجل غايتك). اخترقت هذه الكلمات قلبي كأنها سكين، وشعرتُ في ضميري بمزيد من الاتهام والإدانة. كنت موقنًا في قلبي أن شخصية الله بارّة وقدوسة، ولا تتسامح مع إساءة الإنسان. إن الله يبغض أولئك الذين يخونونه ويبيعون الإخوة والأخوات لإنقاذ أنفسهم. لقد أصبحتُ يهوذا مُخزيًا ببيعي لتلك الأخت، وجرحتُ قلب الله. لم يعد من الممكن أن يُخلِّصني الله الآن؛ فأنا مَن قطعتُ طريقي للإيمان بالله. وعند التفكير في كل هذا، شعرتُ وكأن قلبي يتمزق من الألم. جافاني النوم ليالي متتالية، وعشتُ في كرب ولومٍ للذات. لقد صرتُ مدينًا لله ولتلك الأخت. ولم أستطع أن أسامح نفسي. بعد ذلك، وعندما رأى أفراد الشرطة أنهم لن يتمكنوا من انتزاع أي شيء آخر مني، لفّقوا لي تهمًا وحكموا عليَّ بالسجن لمدة عام ونصف. في ذلك الوقت، كان جسدي ضعيفًا جدًا؛ فكنتُ ألهث بشدة بعد أن أمشي بضع خطوات خلال فترة التريُّض. خشي أفراد الشرطة أن يتسببوا في إزهاق روحي، فأطلقوا سراحي بإفراج طبي مشروط بعد خمسين يومًا، لكنهم لم يسمحوا لي بمغادرة المنطقة المحلية. كان عليَّ أن أُبلغهم عن أماكن تواجدي شهريًا وأن أقدم تقريرًا عن توجهاتي الأيديولوجية في مركز الشرطة كل ثلاثة أشهر. لاحقًا، علمتُ أن الشرطة قد ذهبت إلى منزل الأخت في ذلك الوقت، ولم يعد بإمكانها القيام بواجباتها.
مكثتُ في المنزل لأكثر من شهر، ولكن بعد ذلك جاءت الشرطة لاعتقالي مرة أخرى، ففررتُ مسرعًا إلى مدينة أخرى للعمل. وبعد فترة وجيزة، تعقبتني الشرطة إلى موقع البناء لاعتقالي، فهربتُ ليلًا من الموقع. كانت تلك الفترة هي الأصعب بالنسبة إليَّ. فقدتُ الاتصال بالكنيسة، ونبذني أقاربي وأصدقائي. لم أجد مكانًا أختبئ فيه وتشردت في كل مكان، وكثيرًا ما كنت أنام تحت الجسور. شعرت بعجز شديد حينها، وكأن الله لم يعد يريدني. كنتُ أعلم أنني قد أسأتُ إلى شخصية الله وأنني أستحق هذا العقاب. في الواقع، كان بإمكاني تحمُّل المعاناة الجسدية، لكن فقدان الله، وحياة الكنيسة، وفرصة قراءة كلمات الله جعلني أتمنى الموت على الحياة. لم أجرؤ على الصلاة إلى الله، ولم أشعر بأنني أستحق أن أُصلّي إليه. شعرتُ وكأنني قد أصبحتُ يهوذا، شخصًا يمقته الله. فهل سيظل الله يستمع إلى صلواتي؟ جافاني النوم ليالي متتالية، وغمرني ندم شديد لدرجة أنني لا أذكر كم مرة صفعتُ فيها نفسي، وكثيرًا ما أردتُ إنهاء ألمي بالموت. لاحقًا، فكرتُ في كلمات الله وبدأت أفهم مقاصده أكثر قليلًا. تقول كلمات الله: "اليوم، معظم الناس ليس لديهم تلك المعرفة. هم يعتقدون أن المعاناة لا قيمة لها، وأن العالم ينبذهم، وحياتهم المنزلية مضطربة، وأنَّ الله غير راض عنهم، وآفاقهم قاتمة. بعض الناس حتى يرغبون في الموت عندما تصل معاناتهم إلى حد كبير. ليست هذه محبة حقيقية لله؛ مثل هؤلاء الناس جبناء، ليس لديهم مثابرة، وهم واهنون وعاجزون! الله متلهف لأن يحبه الإنسان، لكن كلما زادت محبة الإنسان لله، زادت معها معاناته، وكلما زادت محبة الإنسان له، أصبحت تجاربه أعظم" (الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. فقط باختبار التجارب المؤلمة، يمكنك معرفة جمال الله). وبالتأمل في كلمات الله، أدركتُ أن الظروف التي كنت أواجهها كانت بسبب برّ الله؛ جزاءً مستحقًا على أفعالي التي تشبه أفعال يهوذا. ومع ذلك، فقد خلقني الله، ولا ينبغي لي أن أختار الموت لنفسي؛ بل يجب أن أقبل عقوبة الله. في المستقبل، إذا أُتيحت لي الفرصة، فسأواصل اتباع الله. وحتى لو كان ذلك يعني تقديم خدمة لله، فسأفعل ذلك عن طيب خاطر. لذا، طرحتُ عني أي أفكار عن الموت، وجثوتُ على ركبتيَّ باكيًا في صلاتي: "يا الله! أنا أستحق الموت؛ أستحق أن أُلعَن..." ولوقت طويل، كان هذا هو الشيء الوحيد الذي استطعت قوله في صلاتي إلى الله قبل أن يخنقني البكاء وأعجز عن الاستمرار.
في عام 2008، عثر عليَّ الإخوة والأخوات وقالوا إن خيانتي للأخت كانت لحظة ضعف في جسدي، ولم تتسبب في خسارة كبيرة للكنيسة. وقالوا إن أدائي المستمر لواجبي كان جيدًا، ثم كلفتني الكنيسة بواجبٍ مرة أخرى. في تلك اللحظة، بكيت من شدة التأثر. كنتُ أعتقد أنني أستحق العقاب والذهاب إلى الجحيم لخيانتي لله وقيامي بدور يهوذا. لكن الله لم يعاملني وفقًا لذنبي؛ بل منحني فرصة للتوبة. شعرت بمزيد من الندم وكراهية الذات، وأدركت كم أنا مدين لله. عقدتُ العزم في قلبي على أنه مهما تكن الواجبات التي ستُسندها إليَّ الكنيسة في المستقبل، فإنني سأعتز بها وأنجزها من أجل أن أرد صنيع الله. بعد ذلك، بدأ الحزب الشيوعي في اعتقال المؤمنين في أماكن مختلفة، وأُعتقل أيضًا اثنان من القادة من كنيستنا. وبعد فترة وجيزة، سمعتُ أنهما قاما بدور يهوذا وطُردَا من الكنيسة. في ذلك الوقت، قلت في نفسي: "إذا كانا قد طُردَا لقيامهما بدور يهوذا، وأنا أيضًا تصرفت على هذا النحو، أليس طردي مسألة وقت فحسب؟" وإذ كنت أفكر في هذه الأمور، شعرت بألم خفيف في قلبي. شعرتُ أن ذنبي كان عظيمًا للغاية، ومهما اجتهدتُ في السعي، بدا أملي في الخلاص ضئيلًا. وربما في يوم من الأيام، إذا ارتكبتُ خطأً في القيام بواجباتي، فقد تطردني الكنيسة. شعرت بندم أشدّ حينها، وكرهتُ نفسي لأنني لم أتمسَّك بشهادتي. لو كنت قد تمسكت بشهادتي في ذلك الوقت، لما كنت أُعاني هكذا. كان كل ذلك بسبب خوفي الشديد من الموت وتفضيلي التشبث بحياة وضيعة. لقد جنيتُ على نفسي، وعليَّ الآن تحمل العواقب؛ لا يمكنني لوم أي شخص آخر. ولذلك، بذلتُ جهدًا أكبر في القيام بواجباتي، آملًا أن أُكفِّر عن ذنبي بمزيد من الأعمال الصالحة. أما بالنسبة إلى بركات الله، ووعوده، وكلمات تعزيته وتشجيعه للناس، فقد شعرتُ أنها لم تعد تعنيني أو تشملني. لاحقًا، وأثناء تعاوني في تنظيم المواد المتعلقة بإخراج الناس، كلما جمعتُ ونظمتُ المواد المتعلقة بأولئك الذين لعبوا دور يهوذا، كنت أتذكر الأذى الذي سببته للأخت بقيامي بذلك الدور. كان هذا الأمر أشبه بكيٍّ ناري مطبوع في قلبي. كلما فكرتُ في الأمر، شعرتُ بالتبكيت، وكان الألم مثل الطعن بسكين. لقد أصبح هذا الأمر وصمة عار وألمًا أبديًا في قلبي. لاحقًا، أُصبتُ بأمراض مختلفة مثل مرض القلب وارتفاع ضغط الدم، وتدهورت صحتي. وبدأت أتساءل: هل كنتُ ألقى جزائي؟ أم أن الله قد تخلّى عني؟ تسبب هذا في مزيد من المعاناة والضعف في قلبي. أحيانًا، عندما كنتُ أُظهر فسادًا في أداء واجبي، كنتُ أعلم أنني بحاجة إلى طلب الحق لمعالجة شخصيتي الفاسدة. لكنني كنتُ أفكر بعد ذلك في مدى عِظم ذنبي وخطورة طبيعته، وأتساءل: هل لا يزال يمكن أن يُخلِّصني الله؟ هل لا يزال يمكن أن يُنيرني لأفهم الحق؟ وهكذا، كنتُ أعيش في حالة من اليأس.
ذات يوم، علمت أخت بحالتي وعقدت شركة معي حول اختباراتها لمساعدتي. وقرأت لي أيضًا فقرة من كلمات الله. يقول الله: "هل يحدد الله ما إذا كان شخص ما سوف يُخلص أم لا بناءً على مستوى فساده؟ هل يقرر ما إذا كان سيدينه ويوبخه أم لا بناءً على حجم تعدياته أو مقدار فساده؟ هل يحدد غايته وعاقبته بناءً على مظهره، أو خلفيته العائلية، أو مستوى قدراته، أو مقدار معاناته؟ لا يستخدم الله هذه الأشياء أساسًا لقراراته؛ بل إنه لا ينظر حتى إلى هذه الأشياء. لذا، يجب أن تفهم أنه بما أن الله لا يقيس الناس بناءً على هذه الأشياء، فإنك ينبغي ألا تقيس الناس بناءً على هذه الأشياء أيضًا" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. يجب على المرء أن يتعلم الدروس من الناس والأحداث والأشياء القريبة منه لكي يربح الحق). من كلمات الله، أدركتُ أن الله لا يحدد عاقبة الإنسان وغايته بناءً على حجم ذنبه أو مدى فساده. بل ينظر الله إلى ما إذا كان الشخص يتوب توبة حقيقية بعد ارتكاب الذنوب، وفي النهاية يحدد عاقبته وغايته بناءً على ما إذا كان يمتلك الحق وما إذا كانت شخصيته قد تغيرت. يجب عليَّ أن أتخلى عن مفاهيمي الخاصة، وأطلب الحق، وأتأمل، وأُعالج مشكلاتي. فهذا يتوافق مع مقصد الله. إدراك هذه الأمور حرّرني من الكثير من المشاعر المكبوتة التي حملتها لسنوات عديدة. والدموع تنهمر على وجهي، صليتُ إلى الله: "يا الله! لسنوات، عشتُ في حالة سلبية، قلقًا بشأن آفاقي المستقبلية وغايتي، ولم يكن لديَّ قلب يسعى إلى الحق. شكرًا لك على مساعدتي من خلال الأخت. أنا مستعد للتوبة إليك. يا الله! أرجوك، قدني لمعالجة مشكلاتي الخاصة".
بعد الصلاة، قرأتُ فقرة من كلمات الله: "هناك أيضًا سبب جذري آخر لغرق الناس في اليأس، وهو أن بعض الأشياء الخاصة تحدث للناس قبل أن يبلغوا سن الرشد أو بعد أن يصبحوا بالغين، أي إنهم يرتكبون بعض التعديات أو يقومون ببعض الحماقات والأشياء الغبية والأشياء الجاهلة. إنهم يغرقون في اليأس بسبب هذه التعديات، وبسبب هذه الأشياء الغبية والجاهلة التي فعلوها. هذا النوع من اليأس هو إدانة للذات، وهو أيضًا نوع من التوصيف لنوع الشخص الذي هو عليه. ... وعندما يستمعون إلى عظة أو شركة عن الحق، يتسلل هذا الاكتئاب ببطء إلى أذهانهم وإلى أعمق أعماق قلوبهم فيخضعون أنفسهم لاستجواب مكثف سائلين: "هل يمكنني أن أفعل هذا؟ هل أنا قادر على السعي إلى الحق؟ هل أنا قادر على نيل الخلاص؟ أي نوع من الأشخاص أنا؟ لقد فعلت هذا الشيء من قبل، لقد كنت ذلك النوع من الأشخاص من قبل. هل أنا بعيد جدًا عن الخلاص؟ هل لا يزال الله يخلصني؟" يمكن لبعض الناس أحيانًا التخلي عن يأسهم وتركه وراءهم. إنهم يكرسون إخلاصهم وكل ما يمكنهم حشده من طاقة لتتميم واجباتهم، والتزاماتهم، ومسؤولياتهم، وحتى يضعون كل قلوبهم وعقولهم في السعي إلى الحق والتأمل في كلمات الله، وفي العمل باجتهاد لفهم كلمات الله. ولكن، في اللحظة التي يظهر فيها موقف أو ظرف معين، يسيطر اليأس عليهم مرة أخرى ويجعلهم يشعرون بأنهم متهمون مجددًا في أعماق قلوبهم. فيفكرون في أنفسهم: "لقد فعلتَ هذا الشيء من قبل، وكنتَ ذلك النوع من الأشخاص. هل يمكنك أن تنال الخلاص؟ هل ثمة أي جدوى من ممارسة الحق؟ ماذا يعتقد الله بشأن ما فعلتَه؟ هل سيغفر لك الله على ما فعلتَه؟ هل يمكن لدفع الثمن بهذه الطريقة الآن أن يعوض عن ذلك الذنب؟" إنهم كثيرًا ما يوبخون أنفسهم ويشعرون بالاتهام في أعماقهم، وكثيرًا ما يشكون في أنفسهم ويمطرونها بالأسئلة. لا يمكنهم أبدًا أن يتخلصوا من هذا اليأس، ويشعرون في قلوبهم بعدم ارتياح دائم بشأن الشيء المخزي الذي فعلوه. إذن، لقد آمنوا بالله لسنوات عديدة ولا يبدو أنهم سمعوا أي شيء قاله الله، ولا يبدو أنهم فهموا أيًا منه. يبدو الأمر وكأنهم لا يعرفون ما إذا كان نيل الخلاص له أي علاقة بهم، أو ما إذا كان يمكن العفو عنهم وفداؤهم، أو ما إذا كانوا مؤهلين لقبول دينونة الله، وتوبيخه، وخلاصه. ليس لديهم أي فكرة عن كل هذه الأشياء. ولأنهم لا يتلقون أي إجابات، ولأنهم لا يحصلون على أي حكم دقيق، فإنهم يشعرون بيأس دائم في أعماقهم. في أعمق أعماق قلوبهم، يتذكرون ما فعلوه مرارًا وتكرارًا، ويستعيدونه في أذهانهم مرارًا وتكرارًا، متذكرين كيف بدأ كل شيء وكيف انتهى، ومتذكرين ما حدث قبل ذلك وما حدث بعده. وبغض النظر عن كيفية تذكرهم للأمر، فإنهم يشعرون دائمًا أنهم آثمون، لذا يشعرون باستمرار باليأس بشأن هذا الأمر على مر السنين. حتى عندما يقومون بواجباتهم، وحتى عندما يخدمون كمشرفين في بند عمل معين، يظلون يشعرون أنه لا أمل لهم في أن يُخَلَّصوا. لذا فإنهم لا يواجهون أبدًا مسألة السعي إلى الحق بشكل مباشر باعتبارها الشيء الأكثر صحة وأهمية. إنهم يعتقدون ببساطة أن الخطأ الذي ارتكبوه أو الشيء الذي فعلوه في الماضي ينظر إليه معظم الناس نظرة سيئة للغاية، أو يدينه الناس ويزدرونه، أو حتى يدينه الله، وأنهم حتى لو سعوا إلى الحق في المستقبل فلا يمكن تخليصهم. وبغض النظر عن الخطوة التي وصل إليها عمل الله أو عدد الكلمات التي قالها، فإنهم لا يواجهون أبدًا مسألة السعي إلى الحق بالطريقة الصحيحة. لماذا يحدث هذا؟ لأن الاستنتاج النهائي الذي يصلون إليه من اختبار هذا النوع من الأمور خاطئ، ولذا فهم عاجزون عن ترك يأسهم وراء ظهورهم" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. كيفية السعي إلى الحق (2)]. تغلغلت كلمات الله في قلبي، وما كشفته كان حالتي الحقيقية. لقد أُعتقلتُ ولعبتُ دور يهوذا، وخنتُ الله وبِعتُ الأخت. وهذا الأمر محفورٌ في قلبي. ورغم أن الكنيسة آوتني وسمحت لي بالقيام بواجباتي، فإنني لم أتمكن قط من تجاوز هذه العقبة. كلما فكرتُ في لعبي دور يهوذا والأذى الذي سببته للأخت، كنتُ أقرر أنني شخص لا فرصة له في الخلاص. في كل مرة أشاهد فيها مقاطع فيديو لشهادات اختبارية لإخوة وأخوات يُعتقلون ويُعذبون ولكنهم يتمسكون بشهادتهم، كنتُ أشعر بالخزي والذنب، وكان ضميري يُدينني. وفي كل مرة كنتُ أجمع فيها وأنظم المواد المتعلقة بإخراج مَن لعبوا دور يهوذا، كنتُ أشعر وكأنني أُطعن بسكين في قلبي، وكرهتُ نفسي لعدم تمسكي بشهادتي في ذلك الوقت. لو كنتُ قد ثبتُّ، لما كان قلبي في مثل هذا العذاب. ورغم أنني كنتُ أقوم بواجباتي في الظاهر، فإنني كنتُ دائمًا يائسًا في داخلي، وأشعر بأنني مختلف عن الآخرين. لقد خنتُ الله ولعبتُ دور يهوذا؛ كنت شخصًا يمقته الله. فهل ما زال الله يريدني؟ هل ما زال سيُخلِّصني؟ كان التفكير في هذه الأمور يملأني بالألم والقلق. لم أجرؤ حتى على الصلاة إلى الله، إذ كنتُ أشعر أن الله يمقتني ولن يستمع إلى صلواتي. وكنت أشعر بالأمر نفسه عند قراءة كلمات الله؛ فكلما قرأتُ كلمات الوعظ، أو التعزية، أو الوعود، أو البركات، كنتُ أشعر أنها ليست موجهة لشخص مثلي. فأنا لا أستحق وعود الله أو بركاته؛ بل أستحق فقط اللعنات والعقوبة! لقد عشتُ طويلًا في حالة من سوء فهم الله، مفتقرًا إلى العزيمة للسعي إلى الحق، ومكتفيًا بالقيام بالعمل جيدًا لأُكفِّر عن ذنبي. في الواقع، لم يحرمني الله من حق أكل وشرب كلماته، ومنحني الفرصة للقيام بواجباتي والسعي إلى الحق. كل هذا كان من فضل الله. ومع ذلك، عشتُ في حالة من اليأس. عندما كان فسادي ينكشف في أداء واجباتي، كنتُ أعلم أنه يجب عليَّ طلب الحق لمعالجته. لكن كلما فكرتُ في أنني لعبتُ دور يهوذا، كنتُ أشعر أنه مهما حاولتُ بجد أو مهما سعيتُ، فإن كل ذلك هباء. هل يمكن لله أن يُخلِّص مَن خانوه؟ كنتُ أظن أنه يجب عليَّ فقط الاستمرار في العمل بشكل أكبر وإتمام واجباتي للتعويض عن أخطائي، وربما في يوم من الأيام يرى الله عملي المخلص ويُخفف من عقوبتي. لقد كان هذا الذنب يُثقل كاهلي باستمرار، وعشتُ في حالة من اليأس. على مر السنين، ورغم حدوث الكثير من الأمور، اكتفيت ببذل الجهد وإنجاز المهام دون التركيز على دخولي في الحياة، مفوِّتًا العديد من الفرص لربح الحق.
أثناء تأملي، صادفتُ فقرة من كلمات الله: "يؤمن الناس جميعًا بالله من أجل نيل البركات والمكافآت والأكاليل. أليس لدى كل شخص هذه النية في قلبه؟ في الواقع، كل شخص لديه هذه النية. هذه حقيقة. رغم أن الناس لا يتحدثون في كثير من الأحيان عن ذلك، بل إنهم حتى يُخفون نيتهم ورغبتهم في نيل البركات، فإن هذه الرغبة وهذه النية والدافع الذي يكمن بعمق في قلوب الناس لم تتزعزع قط. مهما يكن مدى فهم الناس للنظرية الروحية، أو المعرفة الاختبارية التي لديهم، أو الواجب الذي يمكنهم القيام به، أو حجم المعاناة التي يتحملونها، أو مقدار الثمن الذي يدفعونه، فإنهم لا يتخلون مطلقًا عن نية نيل البركات المخبأة بعمق في قلوبهم، ودائمًا ما يكدّون ويسعون بصمت في خدمة هذه النية. أليس هذا هو الشيء المدفون في أبعد أعماق قلوب الناس؟ دون نية نيل البركات هذه، كيف كنتم ستشعرون؟ بأي موقف كنتم ستقومون بواجبكم وتتبعون الله؟ ماذا سيحل بالناس إذا استُؤصلت نية نيل البركات هذه المخبأة في قلوبهم تمامًا؟ من المحتمل أن يصبح الكثير من الناس سلبيين، وأن يصبح البعض مثبطي الهمة في واجباتهم، ويفقدوا الاهتمام بإيمانهم بالله. سيبدون وكأنهم فقدوا أرواحهم، وسيبدو الأمر كما لو أن قلوبهم قد انتُزعت. لهذا السبب أقول إن نية نيل البركات هي شيء مخبأ في أعماق قلوب الناس. ربما، بينما يقومون بواجبهم أو يعيشون حياة الكنيسة، يشعرون أنهم قد فهموا بعض الحقائق وأنهم قادرون على التخلي عن عائلاتهم وبذل أنفسهم بفرح من أجل الله، وأن لديهم الآن معرفة بنيتهم لنيل البركات، وقد نبذوا هذه النية، ولم يعودوا محكومين أو مقيَّدين بها. ثم يعتقدون أنه لم تعد لديهم نية نيل البركات، لكن الله يرى خلاف ذلك. لا ينظر الناس إلى الأمور إلا على نحو سطحي. من دون تجارب، يشعرون بالرضا عن أنفسهم. ما داموا لا يتركون الكنيسة أو ينكرون اسم الله، ويستمرون في بذل أنفسهم من أجل الله، فإنهم يعتقدون أنهم قد تغيَّروا. ويشعرون أنهم لم يعودوا مدفوعين بواسطة حماسهم أو الدوافع اللحظية في أداء واجبهم. عوضًا عن ذلك، يعتقدون أنهم يستطيعون السعي إلى الحق، وأن باستطاعتهم طلب الحق وممارسة الحق باستمرار أثناء القيام بواجبهم، بحيث تتطهَّر شخصياتهم الفاسدة ويحققون بعض التغيير الحقيقي. لكن عندما تحدث أشياء مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بغايتهم وعاقبتهم، فماذا تكون مظاهرهم؟ ينكشف وضعهم الحقيقي بالكامل" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. ستَّة مُؤشِّرات لنمو الحياة). كشف الله أن إيمان الناس به ينطوي على دوافع خفية، وكل ذلك من أجل قدرهم وآفاقهم المستقبلية، فضلًا عن البركات الشخصية. فإذا جاء يوم لم يتمكنوا فيه من نيل البركات أو لم يجدوا لأنفسهم قدرًا أو آفاقًا مستقبلية، فإنهم يشعرون أن الإيمان بالله لا معنى له، ويعيشون نتيجة لذلك في حالة من اليأس. فكرتُ في بولس: في البداية قاوم الرب يسوع، واعتقل تلاميذه واضطهدهم. ثم، في الطريق إلى دمشق، صَرَعَ اللهُ بولسَ بنور عظيم ودعاه ليكون رسولًا. بشّر بولس بالإنجيل لسنوات عديدة، في البداية ليكفّر عن خطاياه ويعوض عنها. لكنه لم يسعَ إلى الحق لتغيير شخصيته الفاسدة على الإطلاق. ونتيجة لذلك، وبعد سنوات عديدة من العمل، ظلت طبيعته الشيطانية المقاومة لله دون أي تغيير. حتى إنه شعر أن كدحه وعمله لسنوات عديدة قد كفَّرا بالفعل عن خطاياه، وأن حسناته فاقت سيئاته، فطلب علانيةً إكليلًا من الله، وفي النهاية استبعده الله. بالتأمل في نفسي، أدركتُ أنني سلكت الطريق نفسه الذي سلكه بولس. ولأنني خنتُ الأخت ولعبتُ دور يهوذا، ظننت أن أملي في البركات بدا ضعيفًا. وخاصة عندما رأيت طرد اثنين من قادة الكنيسة لتحولهما إلى يهوذا، خشيت أن تطردني الكنيسة أنا أيضًا يومًا ما. أصبحتُ سلبيًا ومتقاعسًا، ولم يكن لديَّ أي عزيمة للسعي إلى الحق، وشعرت أن الله لن يُخلِّصني بعد الآن. ومهما حاولت أو سعيت، فلن تكون لي عاقبة حسنة أو غاية صالحة. رأيت أن هدفي من الإيمان بالله والقيام بالواجبات كان من أجل البركات، وليس لربح الحق والخضوع لله، ولا لإرضائه من خلال أداء واجب الكائن المخلوق. على مدى السنوات القليلة الماضية، كان ذنبي يؤرقني باستمرار، وكنت أشعر بالقلق بشأن مستقبلي وغايتي. ورغم أنني شعرت ببعض الندم والكراهية تجاه ذنبي، لم تُعالَج وجهة نظري المتأصلة في السعي إلى البركات. هذا جعلني أدرك أنني لم أتب إلى الله حقًا، بل كنت أحاول التكفير عن ذنبي أمام الله بدفع الثمن وبذل نفسي، لعل ضميري يكف عن إدانتي. رأيت أنني مازلت أطلب عقد صفقات مع الله بعد أن ارتكبت هذا الشر العظيم. لقد كان هذا حقًا أمرًا بشعًا وأنانيًا وخسيسًا. مما جعلني أشعر بندم أشد وكراهية أعظم للذات.
أثناء الطلب، صادفتُ فقرتين أخريين من كلمات الله ساعدتاني على فهم شخصية الله البارة أكثر قليلًا. تقول كلمات الله: "معظم الناس قد ارتكبوا بعض التعديات وجلبوا بعض البقع على أنفسهم. على سبيل المثال، بعض الناس قاوموا الله وقالوا أشياء تجديفية؛ وبعض الناس رفضوا إرسالية الله ورفضوا القيام بواجبهم، وقد ازدراهم الله؛ وبعض الناس خانوا الله عندما واجهوا إغواءات؛ والبعض وقَّعوا على "البيانات الثلاثة" عندما كانوا قيد الاعتقال، فخانوا الله؛ والبعض سرقوا التقدمات؛ والبعض بددوا التقدمات؛ والبعض أزعجوا حياة الكنيسة مرارًا وتسببوا في أذى لشعب الله المختار؛ والبعض شكَّلوا زمرًا وعذبوا الآخرين، محولين الكنيسة إلى فوضى؛ والبعض أكثروا من نشر المفاهيم والموت، مؤذين الإخوة والأخوات؛ والبعض انخرطوا في علاقات غير لائقة مع الجنس الآخر وفي الإباحية الجنسية، وكانوا ذوي تأثير فظيع. يكفي القول إن كل شخص لديه تعدياته وبقعه. ومع ذلك، فإن بعض الناس قادرون على قبول الحق والتوبة، في حين أن البعض الآخر لا يمكنهم قبول الحق ويفضلون الموت على التوبة. لذا ينبغي معاملتهم وفقًا لجوهر طبيعتهم ومظاهرهم الثابتة. أولئك الذين يستطيعون التوبة هم أولئك الذين يؤمنون بالله حقًا؛ أما الذين يرفضون التوبة بعناد، فينبغي إخراجهم أو طردهم حسبما يقتضي الأمر. بعض الناس أشرار، والبعض الآخر جهلة وحمقى، والبعض الآخر وحوش. كل شخص يختلف عن الآخر. بعض الأشرار تستحوذ عليهم أرواح شريرة، في حين أن البعض الآخر هم خدم الشيطان إبليس. بعضهم لديه طبيعة شرسة للغاية، في حين أن بعضهم لديه طبيعة مخادعة للغاية، وبعضهم جشع للمال للغاية بطبيعته، والبعض الآخر يستمتع بالإباحية الجنسية بطبيعته. لكل نوع من الأشخاص مظاهر مختلفة عما لدى غيره، لذا ينبغي تقييم جميع الناس بشكل شامل وفقًا لطبائعهم ومظاهرهم الثابتة. ... إن تعامل الله مع إنسان ما ليس بالبساطة التي يتخيلها الناس. يعتمد موقف الله تجاه أي شخص – سواء كان يحبه، أو ينفر منه، أو يمقته – في المقام الأول على موقف ذلك الشخص من الحق. وبغض النظر عما يقوله المرء في أي سياق، فإن الله يمحّص هذا ويفهمه، لأن الله يمحّص قلب الإنسان وجوهره. يعتقد الناس دائمًا: "الله ليس لديه سوى اللاهوت. إنه بار ولا يتسامح مع أي إساءة من الإنسان. إنه لا يراعي صعوبات الإنسان أو يضع نفسه مكانه. إذا قاوم شخص ما الله، فسوف يعاقبه الله". ليس هذا هو واقع الأمور على الإطلاق. إذا كان هذا هو فهم الناس لعمل الله، ومبادئه في معاملة الناس، وبره، فهذا خطأ فادح. إن تحديد الله لعاقبة كل شخص لا يعتمد على مفاهيم الإنسان وتصوراته، بل على شخصية الله البارة. وسوف يجازي الله كل شخص بحسب ما فعله. الله بار، وعاجلًا أو آجلًا، سيجعل كل الناس مقتنعين تمامًا" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. الجزء الثالث). "كل مَن قَبل الخضوع لكلمات الله سينال بعض الفرص للخلاص؛ وفي خلاص الله لكل شخص، سيتحمله ويتساهل معه إلى أقصى حد ممكن. وبعبارة أخرى، سيُظهر لهم أقصى قدر ممكن من التساهل. طالما أن الناس يرجعون عن الطريق الخاطئ، وطالما أنهم قادرون على التوبة، سيعطيهم الله فرصًا لنيل خلاصه" (الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. عليك أن تتخلَّى عن بركات المكانة وتفهم مقاصد الله لجلب الخلاص للإنسان). من كلمات الله، أدركتُ أن شخصية الله بارة حقًا. ففي برّه، لا توجد دينونة وغضب فحسب، بل رحمة وتسامح أيضًا. وتعامُل الله مع الناس قائم بشكل خاص على المبادئ؛ فهو لا يُصدِر حُكمًا عليهم بناءً على تعدياتهم المؤقتة، بل يُقيِّم بشكل شامل طبيعة أفعالهم وخلفيتها، فضلًا عن قامتهم والعواقب التي يتسببون فيها. فإذا أقدم شخص ما، بسبب لحظة ضعف، على بيع شخص آخر دون التسبب في خسارة كبيرة للكنيسة، ودون أن ينكر الله أو يخونه من كل قلبه، ثم تاب توبة حقيقية، فإن الله يظل يرحمه ويمنحه فرصة للتوبة. بعض الناس، بعد اعتقالهم، يتحالفون تمامًا مع التنين العظيم الأحمر؛ ويبيعون الإخوة والأخوات ومصالح الكنيسة، بل ويصبحون متواطئين مع التنين العظيم الأحمر. ينكشف هؤلاء جميعًا بوصفهم أناسًا أشرارًا لا أمل في فدائهم، ومثل هؤلاء، لا يرحمهم الله. تذكرتُ اختباري في الاعتقال والتعذيب، حيث دُفعت إلى أقصى حدودي الجسدية بسبب الحرمان المطول من النوم، ومن ثم خيانة الأخت المُسنّة دون التسبب في خسارة كبيرة للكنيسة. وبعد ذلك، شعرت بندم عميق وكراهية للذات. كانت أفعالي تُشكِّل تعديًا خطيرًا، ومع ذلك، منحني بيت الله فرصة للتوبة. أما بالنسبة إلى قائدي الكنيسة هذين، فبعد اعتقالهما ودون التعرض لأي تعذيب، اختارا أن يلعبا دور يهوذا خوفًا من المعاناة الجسدية، ولم يكتفيا بتوقيع "البيانات الثلاثة"، بل باعا أيضًا قادة وعاملين في أكثر من عشر كنائس، ما أدى إلى توقف عمل العديد من الكنائس والتسبب في خسائر فادحة. لم تكن أفعالهما ناتجة عن لحظة ضعف؛ بل كان جوهرهما هو جوهر يهوذا، وكانا شريرين لا يمكن إصلاحهما. لذا كان قرار الكنيسة بطردهما متوافقًا تمامًا مع المبادئ؛ كان برّ الله. أدركتُ أنني قد آمنتُ بالله لسنوات عديدة، لكنني لم أكن أعرفه. عشتُ في حالة من سوء الفهم والتحفظ تجاه الله، معتقدًا أنَّ الله سيدين الناس بمجرد ارتكابهم لتعديات دون منحهم فرصة للخلاص. رأيتُ كم أصبحتُ مخادعًا وخبيثًا.
لاحقًا، وجدتُ طريق الممارسة من خلال كلمات الله. يقول الله القدير: "إذا أراد الناس علاج سوء فهمهم عن الله، فعليهم من ناحية أن يتعرفوا على شخصياتهم الفاسدة وأن يشرِّحوا ويتعرفوا على الأخطاء التي ارتكبوها، والمسارات الملتوية التي اتخذوها وتعدياتهم وإهمالهم. بهذه الطريقة وحدها سيتمكنون من رؤية طبيعتهم بوضوح واكتساب المعرفة بها. إضافةً إلى ذلك، يجب أن يروا بوضوح السبب في أنهم يسلكون الطريق الخطأ ويفعلون الكثير جدًا من الأشياء التي تنتهك مبادئ الحق، وما طبيعة هذه الأفعال. علاوةً على ذلك، يجب أن يفهموا على وجه التحديد ما هي مقاصد الله لهم ومتطلباته منهم، وأن يفهموا السبب في أنهم دائمًا غير قادرين على التصرف وفقًا لمتطلبات الله، وأنهم يخالفون مقاصده دائمًا ويفعلون ما يحلو لهم. أحضر هذه الأشياء أمام الله وصلِ وافهمها بوضوح، وعندئذ سيمكنك العدول عن حالتك، وتغيير طريقة تفكيرك، وعلاج سوء فهمك لله. بعض الناس لديهم على الدوام نوايا غير لائقة، أيًا كان ما يفعلونه، وأفكار شريرة، ولا يمكنهم فحص ما إذا كانت حالتهم الداخلية سليمة أم لا، ولا يمكنهم تمييزها وفقًا لكلمات الله. هؤلاء الناس مشوشون. ومن أوضح خصائص الشخص المشوش أنه بعد أن يفعل شيئًا سيئًا، يظل سلبيًا عندما يواجه التهذيب، حتى إنه يسلم نفسه لليأس ويقرر أنه قد انتهى أمره ولا يمكن تخليصه. أليس هذا السلوك من الشخص المشوش هو الأجدر بالرثاء؟ إنه لا يستطيع التأمل في نفسه بحسب كلام الله، ولا يمكنه طلب الحق لحل المشكلة عندما يواجه صعوبات. أليس هذا تشوشًا شديدًا؟ هل يمكن أن يؤدي تسليم نفسك لليأس إلى حل المشكلات؟ هل يمكن للكفاح بسلبية أن يحل المشكلات دائمًا؟ يجب أن يفهم الناس أنهم إذا ارتكبوا خطأً ما أو واجهوا مشكلة، فعليهم طلب الحق لحلها. إنهم بحاجة أولًا إلى التأمل في سبب ارتكابهم للشر، وفي نيتهم لفعل هذا ونقطة البدء، وفي سبب رغبتهم للفعل وهدفهم منه، وفيما إذا كان شخص ما قد شجعهم أو حرضهم أو ضللهم للقيام بذلك أو ما إذا كانوا فعلوه عن وعي، يجب التأمل في هذه الأسئلة وفهمها بوضوح، وبعد ذلك سيكونون قادرين على معرفة الأخطاء التي ارتكبوها ومعرفة ماهية أنفسهم. لا يمكن حل المشكلة إذا لم يكن بوسعك إدراك جوهر فعلك للشر أو تعلم درس منه. كثير من الناس يفعلون أشياء سيئة ولا يتأملون أبدًا في ذواتهم، فهل يمكن لمثل هؤلاء الناس أن يتوبوا حقًا؟ هل هناك أي أمل في خلاصهم؟ البشرية هي ذرية الشيطان، وسواء أغضبوا شخصية الله أم لا، فإنَّ جوهر طبيعتهم هو نفسه. يجب أن يتأملوا في ذواتهم وأن يعرفوا أنفسهم معرفة أكبر، وأن يروا بوضوح إلى أي مدى تمردوا على الله وقاوموه، وما إذا كان لا يزال بإمكانهم قبول الحق وممارسته. وإذا رأوا هذا بوضوح، فسيدركون مدى الخطر الذي يتعرضون له. حقيقة الأمر أنَّ البشر الفاسدين جميعًا في خطر بناءً على جوهر طبيعتهم؛ إذ يتطلب قبول الحق جهدًا كثيرًا منهم، وليس ذلك سهلًا عليهم. بعض الناس قد ارتكبوا الشر وكشفوا عن جوهر طبيعتهم، في حين أن البعض لم يرتكب الشر بعد، لكنهم ليسوا أفضل كثيرًا من الآخرين بالضرورة؛ هم لم يصادفوا الموقف أو الفرصة للقيام بذلك فحسب. بما أن لديك هذه الذنوب، فيجب أن تعرف في قلبك بوضوح أي موقف ينبغي أن تتخذه الآن، وما يجب أن تقدم له حسابًا أمام الله، وما يريد الله أن يراه. يجب عليك أن تتفهم هذه الأمور جيدًا من خلال الصلاة والطلب؛ ومن ثم ستعرف كيف ينبغي أن تسعى في المستقبل، ولن تتأثر بعد ذلك بالأخطاء التي ارتكبتها في الماضي أو تتقيد بها" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. من خلال السعي إلى الحق وحده يمكن للمرء أن يعالج مفاهيمه وسوء فهمه لله). بالتأمل في كلمات الله، تأثر قلبي بشدة. لا ينظر الله إلى تعديات الناس السابقة فحسب. فما دام الشخص يمثل أمام الله، ويقبل الحق، ويقوم بواجباته بولاء ومسؤولية، ويُظهر التوبة من خلال أفعال حقيقية، فإذا رأى الله تغير هذا الشخص، فسيمنحه فرصة للخلاص. لنأخذ بطرس مثالًا. عندما أُعتقل الرب يسوع، أنكره بطرس ثلاث مرات. ندم على ذلك أشد الندم، وركز بعد ذلك على السعي إلى الحق، طالبًا محبة الله والخضوع له. وفي النهاية، صُلِبَ بطرس منكس الرأس من أجل الله، مقدمًا شهادة جميلة. وهناك أيضًا داود. أخذ زوجة أوريا ولقي تأنيبًا شديدًا من الله. شعر داود بندم عميق ولم يكرر الإساءة قَط، حتى في سنواته الأخيرة عندما دفأت فتاة صغيرة سريره. قضى حياته في الإعداد لبناء الهيكل وقاد شعب إسرائيل في عبادة الله، مُظهرًا التوبة لله من خلال فعل حقيقي. أوضح لي التأمل في اختباري بطرس وداود الطريق للمضي قدمًا. كان عليَّ أن أواجه ذنبي بشكل صحيح، وأن أتأمل في نفسي بعمق، وأطلب الحق لمعالجة ذنبي، وأتوب بصدق أمام الله. لاحقًا، أدركتُ أنني فقدتُ شهادتي ببيع الأخت لسببين. أولًا، غلبتني مشاعري. عندما عذبتني الشرطة وهددت حياتي، ظل قلبي معلَّقًا بأمي وأطفالي وزوجتي. كنت أخشى أنه إذا مِتُّ، لن يتمكنوا من تحمل الصدمة، لذلك خنتُ الله وبِعتُ الأخت، لاعبًا دور يهوذا المُخزي. في الواقع، كان مصير عائلتي بين يدي الله. فأي معاناة أو ألم سيكابدونه في الحياة قد عيَّنه الله مسبقًا. حتى لو كنتُ قد بقيتُ بجانبهم، فسيظل عليهم مواجهة المعاناة التي كُتِبَ عليهم مواجهتها، وهذا أمر لم أكن أستطيع تغييره على الإطلاق. لكنني لم أستطع إدراك حقيقة هذه الأمور، وظللت مقيدًا بمشاعري؛ كانت تلك حقًّا حماقة مني. السبب الآخر هو أنني لم أستطع إدراك حقيقة الأمور المتعلقة بالموت؛ لم يكن لديَّ إيمان حقيقي بالله. عندما عُذِّبتُ على يد الشرطة لمدة عشرين يومًا، بلغت قدرة جسدي على التحمل حدها الأقصى. في تلك اللحظة، شعرتُ بخوف شديد من الموت وساومتُ الشيطان. فكرتُ في تلاميذ الرب يسوع، الذين، من أجل ترويج إنجيل الرب، رُجموا حتى الموت، أو سُحلوا حتى الموت بالخيول، أو سُمِّروا على الصليب. لقد تحملوا الاضطهاد من أجل البر. كان موتهم شهادة على الانتصار على الشيطان وإذلاله، وقد تذكرهم الله. قال الرب يسوع: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (متى 16: 25). لكنني كنتُ طامعًا في الحياة وخائفًا من الموت، فخنتُ الأخت وتشبثتُ بحياة وضيعة. ورغم أنني كنتُ لا أزال حيًا جسديًا، كنت أكابد عذابًا نفسيًا كل يوم، أعيش حياة جثة تمشي. الآن أدركتُ أنه حتى لو شوهتني الشرطة أو قتلتني بسبب إيماني، فسيكون ذلك شيئًا يستحسنه الله. وإدراكًا لذلك، عقدتُ العزم في قلبي على أنه إذا اعتقلني التنين العظيم الأحمر مرة أخرى، حتى لو كلفني ذلك التضحية بحياتي، فسأتمسك بشهادتي لله وأُكفِّر عن ذنبي السابق.
بعد فترة وجيزة، واجهت الكنيسة حملة اعتقالات واسعة النطاق مرة أخرى، ورتبت الكنيسة لي أن أتولى أعمال معالجة التداعيات. وخلال المناقشات حول المهام المختلفة، شاركتُ بنشاط، مُركزًا على التصرف وفقًا للمبادئ وتتميم مسؤولياتي بأفضل ما في وسعي. في أثناء قيامي بواجباتي، كلما ظهرت شخصيتي الفاسدة، طلبتُ الحق بنشاط لمعالجتها. ومارستُ أيضًا كتابة مقالات شهادات اختبارية. عقدتُ العزم في قلبي على أنه حتى وإن لم تكن لي عاقبة حسنة أو غاية صالحة في المستقبل، فسأظل أسعى جاهدًا لإتمام واجباتي وأسعى بجدية إلى الحق، لأمنح قلب الله قليلًا من العزاء.
في تلك السنوات، كنت أعيش في حالة من اليأس. ورغم أنني شعرت بالندم وكراهية الذات، لم أطلب الحق قط لمعالجة مشكلاتي. أدى هذا إلى عدم إحراز أي تقدم في حياتي على مدى السنوات القليلة الماضية، وفوَّتُّ العديد من الفرص لربح الحق. من خلال إرشاد كلمات الله، عالجتُ سوء فهمي لله والحواجز بيني وبينه، وحررتُ نفسي من عبودية ذنبي وقيوده، ما مكنني من القيام بواجباتي والسعي إلى الحق بشكل طبيعي. أشكر الله حقًا من صميم قلبي.