21. تأملات مريضة مصابة بالتسمم الدموي البولي
قبلت عمل الله القدير في الأيام الأخيرة وأنا في الأربعينيات من عمري. رأيت أن عمل الله في الأيام الأخيرة هو عمل خلاص الناس، وأنه فقط من خلال المجيء أمام الله، وقراءة كلامه، والقيام بالواجبات، يمكن للمرء أن يفهم الحق ويربحه، ويحظى برعاية الله وحمايته، وتكون له فرصة الدخول إلى ملكوت الله في النهاية. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت في القيام بواجباتي. أيًا كان الواجب الذي رتبته لي الكنيسة، لم أرفضه قط. لم أكن أفكر إلا في كيفية القيام بواجبي جيدًا. لاحقًا، وصل ضغط دمي إلى 220 ملم زئبقي، لذا تلقيت علاجًا وريديًا لخفضه، ولم أدع ذلك يمنعني من القيام بواجباتي. فكرت: "ما دمت أقوم بواجبي بإخلاص، فسيحميني الله". لسنوات، واصلت القيام بواجباتي مهما كانت الظروف، ظانَّةً أنني مؤمنة حقيقية تحظى باستحسان الله. لكن مرضًا مفاجئًا كشف حقيقتي.
كان ذلك في خريف عام 2009. ذات يوم، شعرت بتورم وألم مفاجئين في كلتا ساقيَّ، وبدأتا في الانتفاخ. وبعد فترة وجيزة، تورم وجهي وعيناي أيضًا، وتشوه وجهي بالكامل، ولم أتمكن من فتح عينيَّ. أخذتني ابنتي إلى المستشفى لإجراء فحص. قال الطبيب إنني أعاني من ضمور في كلتا الكليتين، وهو ما قد يتطور إلى التسمم الدموي البولي، وإذا تفاقم، فقد يؤدي إلى الموت. صُدمت لسماع ذلك. إذا كانت الأمور ستسير على هذا النحو، فليس الموت ببعيد. كنت قد بدأت في القيام بواجباتي بعد بضعة أشهر فقط من إيماني بالله، ومهما كانت الظروف، لم أتوقف قط عن القيام بواجبي حتى وإن كنت مريضة. على مر السنين، عانيتُ في واجباتي وأُنهِكت، وعلاوةً على ذلك، تحملت سوء الفهم والسخرية والإهانات من أقاربي. ألم يكن هذا الجهد كافيًا؟ هل كان ما يزال غير كافٍ لنيل حماية الله؟ عدتُ بذاكرتي إلى بداية إيماني بالله حين كانت لدي آمال كبيرة في حياة الملكوت، ولكن في مواجهة هذا المرض الخطير الذي قد يهدد حياتي في أي لحظة، تساءلت عما إذا كانت ستظل لدي فرصة لدخول الملكوت. بدا لي أن الغاية الجميلة لم يعد لها أي علاقة بي. كلما أمعنت التفكير في الأمر، زاد شعوري بالظلم، وفقدت الدافع للقيام بواجبي. غرقت في السلبية. وصليت إلى الله: "يا الله، لا أفهم سبب مواجهتي لهذا المرض، ولدي في قلبي شكاوى ضدك. أعلم أن هذا خطأ، لذا أرجوك أن تنيرني وترشدني لأفهم مقاصدك".
لاحقًا، قرأت فقرة من كلمات الله: "يعتقد الناس: "بما أنني الآن أؤمن بالله، فأنا إذًا أنتمي إليه، ويجب على الله أن يرعاني، ويهتم بمأكلي ومسكني، ويهتم بمستقبلي وقَدَري، وكذلك سلامتي الشخصية، بما في ذلك سلامة أسرتي، ويضمن أن تسير كل أموري على ما يرام، وأن كل شيء سيسير بسلام ودون حوادث". وإذا لم تكن الحقائق كما يتطلبها الناس ويتخيلونها، فإن الواحد منهم يفكر: "الإيمان بالله ليس جيدًا ولا سهلًا مثلما كنت أتخيل. يتضح أنه لا يزال عليّ أن أعاني كل هذا الاضطهاد والمحن وأن أمرّ بتجارب كثيرة في إيماني بالله؛ لماذا لا يحميني الله؟". هل هذا التفكير صحيح أم خاطئ؟ هل يتوافق مع الحقّ؟ (كلا). إذًا، ألا يدل هذا التفكير على أنهم يطلبون من الله مطالب غير معقولة؟ لماذا لا يصلي الناس الذين لديهم مثل هذا التفكير إلى الله أو يطلبون الحق؟ من الطبيعي أنَّ إرادة الله الصالحة وراء جعل الناس يواجهون مثل هذه الأشياء؛ لماذا لا يفهم الناس مقاصد الله؟ لماذا لا يستطيعون التعاون مع عمل الله؟ يتسبب الله عمدًا في أن يواجه الناس مثل هذه الأشياء حتى يطلبوا الحق ويربحوه، وحتى يعيشوا معتمدين على الحق. وبالرغم من ذلك، لا يطلب الناس الحق، وبدلاً من ذلك فإنهم دائمًا ما يقيِّمون الله وفقًا لمفاهيمهم وتصوراتهم الخاصة؛ هذه هي مشكلتهم. يجب أن تفهموا هذه الأمور المزعجة بهذه الطريقة: لا أحد يمضي حياته كلها دون معاناة. يعاني بعض الناس في حياتهم الأسرية، ويعاني البعض في عملهم، ويعاني البعض فيما يتعلق بزواجهم، ويعاني البعض فيما يتعلق بالمرض الجسدي. يجب على الجميع أن يعانوا بعض المشقات. يقول البعض: "لماذا يجب أن يعاني الناس؟ كم سيكون رائعًا أن نعيش حياتنا كلها في سلام وسعادة. ألا يمكننا ألا نعاني؟" كلا؛ يجب أن يعاني الجميع. المعاناة تمكن كل شخص من اختبار المشاعر العديدة للحياة الجسدية، سواء كانت هذه المشاعر إيجابية أم سلبية؛ فالمعاناة تمنحك أنواعًا مختلفة من المشاعر والمعرفة الاختبارية. بالنسبة إليك، هذه كلها اختبارات حياتية. هذا جانب؛ فالهدف من المعاناة هو إثراء اختبار الناس للحياة. إذا استطعت طلب الحق وفهم مقصد الله من هذا، فسوف تقترب أكثر فأكثر من المقياس الذي يطلبه الله منك. ثمة جانب آخر هو أنَّ هذه هي المسؤولية التي يعطيها الله للإنسان. أي مسؤولية؟ هذه هي المعاناة التي يجب أن تمر بها. إذا كنت تستطيع احتمال هذه المعاناة وتحمُّلها، فهذه شهادة، وليست شيئًا مخزيًا" [الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. لا يمكن للمرء أن ينطلق في المسار الصحيح للإيمان بالله إلا من خلال معالجة مفاهيمه (1)]. بعد قراءة كلمات الله، فهمت أن كل موقف وكل معاناة نواجهها تحمل مقاصد الله. جميعها في نطاق قدرة ما يمكن لقامة المرء أن تحتمله. ينبغي لنا أن نطلب الحق ومقاصد الله، وألا نتمسك بمفاهيمنا أو ننظر إلى الأمور من منظورنا الخاص. إذا نظرنا إلى الأمور من منظور الجسد، فسنعيش في معاناة، وسنظن أن المرض ليس بالأمر الجيد. لكن إذا قبلنا مثل هذه الأشياء من الله وطلبنا الحق، فيمكننا أن نتعلم دروسًا من خلال المرض، وعندها يصبح أمرًا جيدًا. عند التأمل في رد فعلي تجاه هذا المرض، فكرت في أنه طوال سنوات إيماني بالله وقيامي بواجباتي، سواء في مواجهة افتراء أقاربي وجيراني وسخريتهم، أو في تحمل الرياح والمطر والبرد القارس والحر الشديد، لم أتوقف قط عن القيام بواجباتي. لذلك ظننت أنه ينبغي لله أن يحميني من الأمراض الخطيرة، وأنني سأعيش في النهاية لأدخل ملكوت الله. ألم تكن هذه بالضبط هي الحالة التي يكشفها الله في كلماته: "بما أنني الآن أؤمن بالله، فأنا إذًا أنتمي إليه، ويجب على الله أن يرعاني، ويهتم بمأكلي ومسكني، ويهتم بمستقبلي وقَدَري، وكذلك سلامتي الشخصية"؟ عندما رأيت أن الله لم يحمني كما تخيلت، بدأت أتذمر من الله، مستخدمة تضحياتي وبذلي رأس مال لأجادل الله، وبدأت أقوم بواجباتي بطريقة لا مبالية. أين كانت إنسانيتي وأين كان عقلي؟ تضحياتي وبذلي في السابق لم تكن صادقةً أساسًا! لولا أن هذا الموقف قد كشفني، لما أدركت دافعي الخفي ومنظوراتي الخاطئة حول الإيمان بالله من أجل البركات. فور أن أدركت ذلك، لم أعد أشعر بالكثير من الألم في قلبي، وأصبحت راغبةً في الخضوع، ومواصلة القيام بواجباتي بينما أتلقى العلاج. وتدريجيًا، تحسنت حالتي، وتراجع مرضي إلى حد ما. ورغم أن ساقيَّ كانتا تتورمان أحيانًا، لم أكن مقيدة بذلك، وواصلت التبشير بالإنجيل بنشاط.
في شتاء عام 2018، لاحظت فجأة نتوءًا في قدمي، وكانت قدمي تؤلمني بشدة لدرجة أنني لم أتمكن من أن أستند عليها، واحتجت إلى مساعدة ابنتي في المشي. وبعد الذهاب إلى المستشفى، شخّص الطبيب حالتي بأنها نقرس، ووجد أن مستويات الكرياتينين لدي قد ارتفعت من أكثر من 200 ميكرومول/لتر إلى أكثر من 500 ميكرومول/لتر، وأنني كنت بالفعل في المراحل المتأخرة من التسمم الدموي البولي. أخفى الطبيب عني مدى خطورة حالتي، خوفًا من ألا أتحمل الحقيقة. في البداية، لم أكن قلقة كثيرًا بشأن مرضي، لكن في اليوم الرابع، عندما سألت ابنتي فجأة عن إجراء ترتيبات الجنازة، علمت أن حالتي قد تدهورت. ارتجف قلبي، وفكرت: "هل يُعقل أنه لم يتبق لي الكثير من الوقت فعلًا، وأنني على وشك الموت؟" لم أجرؤ على التفكير في الأمر، فصليت إلى الله: "يا الله، حياتي وموتي بين يديك. أنا راغبةٌ في الخضوع لتنظيماتك وترتيباتك". بعد بضعة أيام، اكتشفت أن مرضي كان في المراحل المتأخرة بالفعل، وفي تلك اللحظة، لم أستطع إيقاف يديَّ عن الارتجاف ولم أتمكن حتى من الإمساك بكوب. لم أستطع قبول هذا الواقع، ورحت أتساءل عما إذا كان الطبيب قد أخطأ بطريقة ما. تساءلت: "كيف أمكن أن يتفاقم مرضي بهذه السرعة؟ أنا مؤمنة بالله، فمن المؤكد أن الله لن يتركني أموت بهذه السهولة". لكني بعد ذلك فكرت: "لقد شُخصت إصابتي بمرحلة متأخرة من التسمم الدموي البولي. ما الجدوى من عدم تصديق ذلك؟ هذا هو الواقع". شعرت وكأن حياتي تقترب من نهايتها، وغمرني الألم واليأس. وعندما فكرت في أنه لم يتبق لي الكثير من الوقت وأنني لن أتمكن من رؤية جمال الملكوت، شعرت بأنني عازفة عن قبول نصيبي، إذ فكرت: "ماذا جنيت من كل سنوات جهدي؟ كنت أقوم بواجباتي طوال هذا الوقت، فلماذا استمر مرضي في التفاقم؟" شعرت أن الله كان يعاملني بظلم شديد. في الليل، وبينما كنت مستلقية في السرير، تذكرت امرأة كانت قد أجرت معنا بعض الأعمال. هي أيضًا كانت مُصابة بمرضي نفسه، وبعد تشخيصها، عادت إلى المنزل وتوفيت في غضون عشرة أيام. شعرت أن موتي أنا أيضًا قد اقترب، وأن العد التنازلي لحياتي قد بدأ. شعرت وكأنني في حكم الميتة بالفعل، فما الجدوى من قراءة كلمات الله؟ على مدار أكثر من عشرين يومًا، أصبحت سلبية وأعيش في ألم شديد. كنت أعلم أنني قد ابتعدت عن الله، فصرخت إليه، طالبة منه أن ينيرني ويضيئني. وحينئذٍ تذكرت ترنيمة من كلمات الله:
تتطلب التجارب إيمانًا
1 خلال المرور بالتجارب، من الطبيعي أن يكون الناس ضعفاءَ، أو أن يكونوا في داخلهم سلبيين، أو لا يفهموا مقاصد الله، أو يفتقروا إلى الوضوح بشأن طريق الممارسة. لكن على أي حال، يجب أن يكون لديك إيمان بعمل الله، ومثل أيوب، يجب ألا تنكر الله. رغم أنَّ أيوب كان ضعيفًا ولعن يوم ولادته، فإنَّه لم يُنكِر أنَّ كل الأشياء التي يمتلكها الناس بعد أن يولَدوا قد مُنِحَت من يهوه، وأنَّ يهوه هو أيضًا الذي يأخذها. ومهما كانت التجارب التي وضِع فيها، فقد حافظ على هذه القناعة.
2 في اختباراتك، أيًا تكن التنقية التي تمر بها من كلام الله، فإن ما يريده الله، في العموم، هو إيمانك وقلبك المحب لله. ما يكمّله بالعمل بهذه الطريقة هو إيمانُ الناس ومحبَّتُهم وعَزْمُهُم. ...
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. أولئك المُزمَع تكميلهم لا بدّ أنْ يخضعوا للتنقية
بالتأمل في كلام الله، استنار قلبي. يتبيَّن أن الله يرتب الناس والأحداث والأشياء ليُكمِّل إيماننا. تذكرت أيوب متحمِّلًا مثل هذه التجارب العظيمة، فقد نُهبت ثروته، ومات أبناؤه، وغطت جسده القروح المؤلمة، ومع ذلك لم يشتكِ قط، وظل مؤمنًا بالله، ومتمسكًا بالشهادة له. ما يفعله الله لا يتماشى مع مفاهيم البشر، وحين يعجز الناس عن رؤية ذلك بوضوح أو فهم مقاصد الله، فإنهم يحتاجون إلى الإيمان لاختباره. وبإدراكي لهذا، اتضحت لي الأمور بدرجة أكبر كثيرًا.
وبعد ذلك، واصلت التأمل. حين علمت أنني في المراحل المتأخرة من التسمم الدموي البولي، عشتُ في خوفٍ ورعب، والحقيقة هي أنني كنت خائفة من الموت. لذا قرأتُ فقرة من كلمات الله تتعلق بحالتي. يقول الله القدير: "لماذا لا يمكنهم الهروب من معاناة الخوف من الموت؟ عندما يواجه بعض الناس الموت، فإنهم يُبلّلون أنفسهم دون سيطرة على أنفسهم؛ وآخرون يرتجفون ويُصابون بالإغماء وينتقدون السماء والإنسان على حدِّ سواء، بل إن البعض ينتحبون ويبكون. هذه ليست بأيّ حالٍ من الأحوال ردود أفعال طبيعية تحدث فجأة عند اقتراب الموت. يتصرّف الناس بهذه الطرق المُحرجة بصفةٍ رئيسيّة لأنهم، في أعماق قلوبهم، يخافون الموت وليست لديهم معرفة وتقدير واضحان لسيادة الله وترتيباته، ناهيك عن الخضوع لها خضوعًا حقيقيًّا. يتفاعل الناس بهذه الطريقة؛ لأنهم لا يريدون سوى أن يُرتّبوا ويحكموا كل شيءٍ بأنفسهم، وأن يتحكّموا في أقدارهم وحياتهم وموتهم. لا عجب إذًا في أن الناس لا يمكنهم أبدًا الهروب من الخوف من الموت" [الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد ثالثًا]. بعد قراءة كلمات الله، فهمتُ أنه عند مواجهة الموت، يصبح الناس خائفين ومرتعبين لأنهم لا يفهمون سيادة الخالق وترتيباته. حياة الإنسان وموته في يد الله، وهي ليست مسألةً يقررها الناس بأنفسهم. ولا أحد يستطيع التحكم في مصيره. فكرتُ في قول الله إن أيوب، بعد أن أتم مهمة حياته، واجه الموت بهدوء، وتأثرتُ بذلك بعمق. لقد اتقى أيوب الله وحاد عن الشر طوال حياته، ولم يحاول قط المساومة مع الله أو تقديم مطالب له. كان يشكر الله حين يعطيه، ويخضع حين يأخذ الله الأشياء منه. ومهما كانت معاملة الله له، تمكَّن من الخضوع، وكان قادرًا على مواجهة الموت بهدوء. أما أنا، فحين علمتُ أنني في المراحل المتأخرة من التسمم الدموي البولي ولم يبقَ لي الكثير لأعيشه، اشتكيتُ إلى الله. لم أكن خاضعةً لله ولم يكن لدي قلب يتقي الله. لم يعد بوسعي العيش على هذا النحو. أصبحتُ راغبةً في أن أقتدي بأيوب، وأضع حياتي بين يدي الله، وأخضع لسيادته وترتيباته. وما دمتُ على قيد الحياة، فسأقوم بواجبي بأقصى ما في وسعي، وحين يأتيني الموت، سأواجهه بهدوء، وسأخضع لتنظيمات الله وترتيباته. وإذ أدركتُ هذا، شعرتُ بارتياحٍ كبير.
لاحقًا، تأملتُ: "لماذا تذمرت من الله واتهمته بمعاملتي بظلم حين واجهتُ المرض؟" قرأتُ المزيد من كلمات الله: "ليس الناس أهلًا لتقديم مطالب إلى الله. ولا يوجد شيءٌ أبعد عن العقلانية من تقديم مطالب إلى الله. سوف يفعل الله ما يجب أن يفعله، وشخصيَّته بارَّة. لا يعني البرّ بأيّ حالٍ من الأحوال الإنصاف أو المعقولية؛ فهو ليس مساواة، أو إعطاءك ما تستحقّه مقابل عملك، أو الدفع لك مقابل أيّ عملٍ أدَّيته، أو منحك ما تستحقّه وفقًا لأيّ جهدٍ تبذله. فهذا ليس هو البرّ، بل هو مجرد الإنصاف والمعقولية. قلة قليلة من الناس قادرون على معرفة شخصية الله البارة. افترض أن الله أهلك أيوب بعد أن شهد أيوب له: فهل سيكون هذا بارًّا؟ الواقع أنه كذلك. لماذا يُسمَّى هذا برًّا؟ كيف ينظر الناس إلى البر؟ إن توافق شيءٌ مع مفاهيم الناس، فمن السهل جدًّا عليهم أن يقولوا إن الله بارٌّ؛ أما إن كانوا لا يرون أن شيئًا ما يتوافق مع مفاهيمهم – إذا كان شيئًا لا يمكنهم فهمه – فسوف يكون من الصعب عليهم القول إن الله بارٌّ. ... إن جوهر الله هو البرّ. وعلى الرغم من أنه ليس من السهل أن يفهم الناس ما يفعله، فإن كلّ ما يفعله بارٌّ؛ وكلّ ما في الأمر هو أن الناس لا يفهمون. عندما ترك الله بطرس للشيطان، كيف تجاوب بطرس؟ "البشريَّة غير قادرةٍ على سبر غور ما تفعله، لكن كلّ ما تفعله ينطوي على مقاصدك الصالحة؛ فالبر موجود فيه كله. فكيف لا أنطق بالتسبيح لحكمتك وأفعالك؟" يجب أن ترى الآن أن سبب عدم تدمير الله للشيطان وقت خلاصه للإنسان هو أنه يمكن أن يتضح للبشر كيف أفسدهم الشيطان، والدرجة التي أفسدهم بها، وكيف ينقّيهم الله ويخلّصهم. وفي نهاية المطاف، عندما يكون الناس قد فهموا الحق، ورأوا بوضوح وجه الشيطان القبيح، وعاينوا الخطيئة البشعة المتمثلة في إفساد الشيطان إياهم، سوف يدمر الله الشيطان، مظهرًا لهم برّه. وتوقيت تدمير الشيطان يتضمن شخصية الله وحكمته. إن كلّ ما يفعله الله بارٌّ. وعلى الرغم من أن البشر قد لا يستطيعون إدراك ذلك، فيجب عليهم عدم إصدار أحكامٍ كما يشاؤون. إذا بدا للبشر شيءٌ مما يفعله الله على أنه غير معقول، أو إذا كانت لديهم أيّ مفاهيم عنه، ومن ثمّ قالوا إنه ليس بارًّا، فهم أبعد ما يكونون عن العقلانية. كما ترى، وجد بطرس أيضًا أن بعض الأمور لا يُدرك كنهها، لكنه كان متأكدًا من أن حكمة الله كانت حاضرة وأن مقاصده الصالحة كانت في تلك الأمور، وأن الناس لا يمكنهم إدراك كنهها، وأنه كان هناك عدد قليل جدًا من الأمور التي يمكنهم إدراك كنهها. وبالتالي فإن معرفة شخصية الله ليست بالأمر الهيّن" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. الجزء الثالث). بعد قراءة كلمات الله، فهمتُ أن شخصية الله البارة لا تتعلق بالإنصاف أو المعقولية أو مكافأة الجهد كما كنتُ أتخيل. فليس الأمر أنه يجب على الله أن يردَّ لي كل ما أقدمه. شخصية الله البارة تُحدد بجوهره. أيًا يكن ما يفعله الله فهو بار ويحمل وراءه مقاصده الصالحة. لكنني ظننتُ أن الجهد لا بد أن يكافأ، وأنني كلما بذلتُ المزيد في واجبي، توجب على الله أن يكافئني أكثر. لذا، حين قدمتُ بعض التضحيات وبذلتُ نفسي في إيماني بالله، ظننتُ أنه ينبغي لي أن أنال حماية الله وبركاته وأُحضَر إلى ملكوته، وإلا فسأعتبر الله غير بار. كم كان فهمي لبرّ الله سخيفًا! الله هو الخالق، وما أنا سوى كائن مخلوق. ومهما كانت طريقة الله في ترتيب الأمور أو معاملتي، فهي ملائمة وبارّة. إذا باركني الله فهو بار، وإذا لم يباركني فإنه يظل بارًا. إذا قِسْتُ الله بمفاهيمي، فأنا أقاومه. تذكرتُ أنَّ الله قال ذات مرة: "ليس مسموحًا لأولئك الذين هم مدنسون بدخول الملكوت، وليس مسموحًا لأولئك الذين هم مدنسون بتدنيس الأرض المقدسة. مع أنك ربما تكون قد قمتَ بالكثير من العمل، وظللت تعمل لسنواتٍ كثيرة، لكنك في النهاية إذا ظللتَ مدنسًا إلى حد بشع، فسيكون غير مقبول بحسب قانون السماء أن ترغب في دخول ملكوتي!" (الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. النجاح أو الفشل يعتمد على الطريق الذي يسلكه المرء). "إنني لا أحدد غاية كل شخص على أساس العمر ولا الأقدمية ولا حجم المعاناة، فضلًا عن مدى استحقاقهم للشفقة، وإنما وفقًا لما إذا كانوا يملكون الحق. لا يوجد خيار آخر غير هذا" (الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. أَعْدِدْ ما يكفي من الأعمال الصالحة من أجل غايتك). يحدد الله غاية الإنسان بناءً على ما إذا كان يمتلك الحق أم لا، لا على تضحياته وبذله في الظاهر. ولن يحظى المرء بعاقبة صالحة إلا من خلال كسب الحق. أما إذا لم يكسب المرء الحق وظل ممتلئًا بشخصية شيطانية فاسدة، واستخدم تضحياته وبذله ليحاول عقد صفقات مع الله وخداعه، فإن مثل هذا الشخص يبغضه الله وهو لا يستحق الدخول إلى الملكوت. هذا هو برّ الله. كنتُ أؤمن بالله بعقلية المعاملات والمقايضة، راغبةً في استخدام معاناتي وبذلي في الظاهر لكسب بركات الله. كنتُ أخدع الله وأستغله. فكيف لي أن أنال استحسان الله أو أدخل الملكوت وأنا على هذا الحال؟ تذكرت تضحيات بولس وبذله. لقد بشر بإنجيل الرب يسوع في كل مكان، حتى عبر معظم أنحاء أوروبا، وأسس الكثير من الكنائس. وفي النهاية، قال: "قَدْ جَاهَدْتُ ٱلْجِهَادَ ٱلْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ ٱلسَّعْيَ، حَفِظْتُ ٱلْإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ ٱلْبِرِّ" (2 تيموثاوس 4: 7-8). لقد استخدم بولس تضحياته وبذله رأسَ مال ليطالب الله بإكليل البر، وفي النهاية، طُرح في الجحيم ليُعاقب. كانت وجهة نظري في الإيمان بالله هي وجهة نظر بولس نفسها. فحين تحطمت رغبتي في نيل البركات، اشتكيتُ من الله. إن لم أتُب، ألن ينتهي بي المطاف إلى نفس مصير بولس؟
لاحقًا، وفي أثناء عقد الشركة مع الإخوة والأخوات، وجدت لي أخت فقرة من كلام الله: "يعيش جميع البشر الفاسدين من أجل أنفسهم. اللهم نفسي وليبحث كل امرئ عن مصلحته فقط؛ هذا يلخص الطبيعة الإنسانية. كل الناس يؤمنون بالله من أجل مصلحتهم الخاصة؛ فهم يتركون الأشياء ويبذلون أنفسهم من أجل أن يُبارَكوا، والمعاناة التي يتحملونها والثمن الذي يدفعونه في القيام بواجبهم هما أيضًا من أجل أن يُكافأوا. باختصار، كل ذلك من أجل غرض نيل البركات، والمكافآت، ودخول ملكوت السماوات. في العالم، يعمل الناس لمصلحتهم الخاصة، وفي بيت الله، يقومون بواجب من أجل ربح البركات. من أجل ربح البركات، يترك الناس كل شيء ويمكنهم تحمل الكثير من المعاناة. كل هذا هو الدليل الأوضح على أن الناس يمتلكون طبيعة شيطانية" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. الجزء الثالث). بعد قراءة كلام الله، فهمتُ أنه بعد سنوات من الإيمان بالله والتخلي عن الأشياء وبذل نفسي، لم يكن كل ذلك إلا من أجل نيل البركات. أردتُ أن يحميني الله، وأن يحفظني من المرض والكوارث. لقد كانت تلك محاولة لعقد صفقة مع الله. كنتُ أعيش بحسب السموم الشيطانية: "لا تحرك إصبعك أبدًا ما لم تكن هناك مكافأة"، و"اللهم نفسي، وليبحث كل امرئ عن مصلحته فقط"، وكان "الربح" هو الغاية الأولى في كل ما فعلته. ومهما كان الأمر شاقًا أو مرهقًا فقد رأيت أنه يستحق العناء ما دام يجلب منافع. وحين سمعتُ أن القيام بالواجب في الإيمان بالله يمكن أن يجلب حماية الله وغاية صالحة، تخليتُ عن الأشياء وبذلتُ نفسي، ومهما بلغت المعاناة أو الثمن، ظننتُ أن الأمر يستحق. لكن حين اكتشفتُ إصابتي بالتسمم الدموي البولي وأنني معرضة حتى لخطر فقدان حياتي، ظننتُ أنني إذا متّ، فلن أدخل الملكوت وأنال البركات، لذا لم أعد أرغب في قراءة كلام الله أو الصلاة، بل إنني اشتكيتُ منه، وجادلته وهاجمته، وحكمتُ عليه بأنه غير بار. لقد استخدمتُ تضحياتي وبذلي لأقدم طلبات لله، ولأطالبه برد المقابل لأفعالي. أين كانت إنسانيتي وعقلي؟ لقد كنتُ أنانيةً ومخادعةً جدًا! فكيف لتضحيات كهذه أن تنال استحسان الله؟ إن عمل الله هو خلاص الناس، وأن يتيح لهم تحقيق تغيير في شخصيتهم ونيل خلاص الله من خلال السعي إلى الحق في القيام بواجباتهم. لكنني آمنتُ بالله ولم أقم بواجباتي إلا من أجل نيل البركات. رأيتُ أن العيش بحسب السموم الشيطانية جعلني أنانيةً وحقيرةً حقًا. لم يعد بوسعي العيش على هذا النحو، وأردتُ التوبة إلى الله. لاحقًا، قمتُ بواجب الاستضافة، وشعرتُ بالسعادة والفرح في داخلي. وأدركتُ أنه فقط من خلال التعامل مع واجباتي بوصفها مسؤولية تقع على عاتقي يمكنني أن أعيش حياة ذات معنى.